فلأغير وجهة البحث، ولأسأل: أيهما أدق وأوفق تعبيرًا جفّ أم نشف؟ وللإجابة نحتاج إلى دراسة لغوية تقوم على الموازنة بين معنييهما واستعمالاتهما. موازنة لست واجدًا إياها جاهزة حاضرة، في كتب اللغة ومعجمات الألفاظ أو المعاني المتوافرة، قديمة أو معاصرة، ولكن علي أن أعرض للقارئ النقول المتاحة في مظانّها من المراجع اللغوية، لقصّ الموازنة المنشودة وتفصيلها وتجهيزها، ما أمكن... فلقد خاب أملي حتى في معجمات المعاني التي تفصل القول في درجات الحبّ، مثلًا، وتضع التسميات لكل نوع أو درجة من مثل هذا الفعل، مما جعلني أطيل النظر فيها؛ من (فقه اللغة) (10) للثعالبي إلى (الألفاظ الكتابية) (11) للهمذاني، وإلى (التلخيص في أسماء الأشياء) (12) للعسكري و (كتاب النوادر) لأبي مسحل الأعرابي (13) ، وحتى (المخصص) لابن سيده (14) الذي لفت نظري إلى أنه خصص عنوانًا من عناوينه لِ [نضوب الماء ونشَفَه] ، ولم أكتف بذلك فخرجت إلى بعض معجمات المعلومات العامة (الكليات) للكفوي (15) مثلًا.. ولكن بلا طائل..
وعدت ألجأ إلى كتب اللغة من معجمات الألفاظ، أضع ما كتب كل منهم عن النشاف والجفاف، ولقد سبق أن عرضت نقلًا لابن فارس عن نشف في (مقاييس اللغة) و (المجمل) ، فلأعرض نقلًا له عن جفّ فيهما:
[جفّ] الجيم والفاء أصلان: فالأول قولك: جف الشيء جُفوفًا. يجف. والثاني الجُفّ جُفّ الطلعة، وهو وعاؤها. ويقال: الجُفُّ شيء ينقر في جذوع النخل. والجُفّ نصف قِرْبة يتخذ دلوًا. وأما قولهم للجماعة الكثيرة من الناس جف، وهو في قول النابغة:
في جُفّ ثَعْلَبَ وارِدِي الأمرارِ
فهو من هذا؛ لأن الجماعة يُنْضَوى إليها ويُجتمَع، فكأنها مَجْمَعُ من يأتي إليها.
فأما الجَفْجَف الأرض المرتفعة فهو من الباب الأول، لأنها إذا كانت كذا كان أقل لنداها...] (2) .