وامتازت بعض النساء العربيات ببعد الأفق والنظرة الحكيمة فعاتكة بنت يزيد (62) حين رغب زوجها عبد الملك أن تشهد بميراثها من أبيها لولديها بحضور شهود في مقدمتهم روح بن زنباع الجذامي رفضت ذلك وأعلنت على ملأ من الجميع تصدقها بمالها على الفقراء من بني آل سفيان، وهذا يكشف عن نظرة ثاقبة في الحفاظ على عائلتها الأموية وعلى محبة الشعب لولديها مما دفع روح بن زنباع إلى وصفها بقوله (إنها كجدها معاوية في الدهاء) .
ورغم قدرة المرأة على العمل السياسي فقد بقي الغالبية العظمى من الرجال يرون عدم أهليتها لهذه الفعالية، ولا أدل على ذلك من قول الحجاج بن يوسف للوليد بن عبد الملك (63) : (يا أمير المؤمنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فإن المرأة ريحانة لا قهرمانة، فلا تطلعهن على سرك، ولا مكايدة عدوك، ولا تطمعهن في غير أنفسهن، ولا تشغلهن في أكثر من زينتهن، وإياك ومشاركتهن في الأمور فإن رأيهن إلى أفن، وعزمهن إلى وهن، واكفف عليهن من أبصارهن بحجبك لهن ولا تملِّك الواحدة منهن من الأمور ما يجاوز نفسها، ولا تطمعها أن تشفع عندك لغيرها، ولا تطل الجلوس معهن، فإن ذلك أوفر لعقلك وأبين لفضلك) .
ويؤكد هذا الرأي قول صعصعة (64) لمعاوية بن أبي سفيان الذي كان يستشير زوجته فاختة بنت قرظة بن حبيب بن عبد شمس في كل شؤونه قائلًا:
(يا أمير المؤمنين كيف ننسبك إلى العقل وقد غلب عليك نصف إنسان؟(65) .
وكذلك فعل عبد الملك بن مروان الذي كان يأخذ بنصيحة عاتكة بنت يزيد بن معاوية حيث قالت له مرة حين أراد أن يباشر الحرب بنفسه.
(يا أمير المؤمنين لا تخرج السنة الحرب مصعب فإن آل الزبير ذكروا خروجك فوجَّه الجنود وأقم، فليس الرأي أن يباشر الخليفة الحرب بنفسه) .