فهرس الكتاب

الصفحة 7644 من 23694

بيد أن ثمة شعراء وكتّابًا مفتونين بأنفسهم تملّكهم حب الذات فهم فيما ينظمون أو يكتبون إنما يتحدثون عن أنفسهم إما تقوية لما يشعرون ودعمًا لما يحسون وإما إعجابًا بذواتهم كما أعجب نرجس بنفسه على الشكل الذي تتحدث عنه الأسطورة اليونانية.

يقول أبو نواس:

ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر

فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر

كأن هذا الفاسق الضالّ كان قبل توبته يريد أن يؤكّد لذته في الشراب بالقول وبالشعر وبالإعلان. ... دون قِيد الميل يعدو بي الأغر

أما النرجسية فهي صفة من صفات عمر بن أبي ربيعة الذي يدّعي أنه وكل بالجمال يتبعه ولكنه كان مفتونًا بصباه يشبب بنفسه حين يشبب بالغواني:

بينما ينعتنني أبصرنني

قالت الكبرى أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى بلى هذا عمر

قالت الصغرى وقد تيمتها ... قد عرفناه وهل يخفى القمر

لقد تداول طائفة من المفكرين والشعراء تلك الأسطورة أسطورة نرجس. هل نذكر هنا بول فاليري حين نوه في قصيدة له أن الإنسان لا يحب شيئًا غير ذاته: ... مشغوف بماهيتي وحدها

إنما أنا نرجسُ الحبيب

كل ما عداها لديّ دون قلبه حجاب ... كل ما عداها إن هو إلا غياب

أُحِبُّ... أُحِبُّ... ومنذ الذي يمكنه أن يحب شيئًا غير ذاته. ... فلا جادني إلا عبوس من الدجن

إلا أن الفيلسوف الفرنسي لويس لافيل في كتابه الصغير الممتع"ضلال نرجس"يشير إلى أن الفتى اليافع لما رأى صورته في صفحة الماء وعشقها أراد أن يعانقها فكلما اقترب ولامس الماء اضطربت الصفحة واضطربت صورته معها وهذا يدل على أنه لا معنى ولا إمكان لمحبة الإنسان نفسه. وفي"الفتوحات المكية"لمحيي الدين بن عربي تحليل بارع لحب الإنسان نفسه وحبه غيره.

الكاتب الفرنسي القديم"مونتيني"لا يتحدث في كتابه"بحوث"إلا عن ذاته. يقول فيه: أنا ذاتي التي أصورها. أنا نفسي مادة كتابي... لا أجرؤ فقط في الكلام على نفسي وإنما أتكلم على نفسي ليس غير. أضلّ حين أكتب شيئًا غير ذلك.""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت