مجلة التراث العربي-مجلة فصلية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب-دمشق العدد 31 - السنة الثامنة - نيسان"أبريل"1988 - شعبان 1408
فهرس العدد
مفهوم الفصاحة بَين ابن سِنان وَعبد القاهِر الجرجَاني ـــ وليد سَراقبي ... لنقضي حاجات الفؤاد المعذب
بادئ ذي بدء لابد من القول: إن النقد العربي قد تطور تطورًا كبيرًا منذ زمن بعيد في العصر الجاهلي إلى أوائل القرن الخامس الهجري، ففي العصر الجاهلي نجد بعض الأخبار التي تعطينا فكرة عن بدايات نقدية عفوية، من ذلك مثلًا خبر احتكام امريء القيس وعلقمة الفحل إلى زوج امرئ القيس إذ قال امرؤ القيس:
خليليَّ مرَّا بي على أم جندب
وقال علقمة: ... ولم يكُ حقًا كل هذا التجنبِ
ذهبت من الهجران في كل مذهب
وتابع كل منهما قصيدته فقالت لامريء القيس: علقمة أشعر منك. قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأنك قلت: ... وللزجز منه وقع أهوج منعب
فللسوط ألهوب وللساق درّةٌ
فجهدت فرسك بسوطك، ومريته بساقك، وقال علقمة: ... يمرّ كمرّ الرائح المتحلِّب
فأدركهن ثانيًا من عنانه
فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه لم يضربه بسوط، ولا مراه بساقٍ ولا زجزه (1) . ... تضل العقاص في مثنَّى ومرسلٍ
وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين نجد كثيرًا من الأحكام النقدية، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت:"آمن شعره وكفر قلبه (2) "ومن ذلك أيضًا قول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في زهير بن أبي سلمى:".. إنه لا يمدح الرجل إلا بما فيه، ولا يعاظل في الكلام.." (3) .
وهكذا ظل النقد العربي يسير في حركة متطورة، فظهر له أعلامه كالأصمعي وابن سلام وابن قتيبة والمبرد وثعلب في القرن الثالث، وابن طباطبا وقدامه والآمدي في القرن الرابع، وبابن رشيق وأبي العلاء الأجلاء ومن بينهم أبو العلاء المعري وعبد القاهر الجرجاني وابن سنان الخفاجي في القرن الخامس.