فهرس الكتاب

الصفحة 7954 من 23694

أخيرًا أقف عند عدي بن زيد الذي يمثل ظاهرة الانعتاق من السجن؛ إذ سجن في بلاد فارس بعيدًا عن دياره وأرضه.. فالأميال تفصل ما بينهما، وهيهات أن يطمئن باله ويهدأ لأنه سجن ظلمًا؛ فهو يحس بالألم الممض الذي يبري عظامه، بل إن حزنه لا يعدلُه حزن فهو يغصُّ بالماء القَراح.. ولهذا كله بعث رسالة إلى النعمان بن المنذر يوضح فيها ما يجري له، وما وقع، ويتمنى أن تشفع قصيدته له بإيضاح الحقيقة ليعود إلى وطنه الحبيب بعد نأي وبعاد (21) :

أبلغِ النعمان عني مألكًا

لو بغير الماء حلقي شرقٌ ... كنت كالغصَّان بالماء اعتصاري

ليت شعري عن دخيل يفتري ... حيثما أدرك ليلي ونهاري

وقال في قصيدة أخرى مظهرًا الأسى الذي سيصيب ذويه (22) : ... ولم تسأم بمسجونٍ حريبِ

أتاك بأنني قد طال حبسي

وبيتي مقفر الأرجاء فيه ... أراملُ قد هلكنَ من النحيبِ

يبادرن الدموع على عديٍّ ... كشنٍّ خانه خرزُ الربيبِ

إن ما عرضت له صور من ظاهرة الانتماء والانعتاق في القصيدة الجاهلية وكل صورة تمثل النزوع الوطني للعرب في الجاهلية، بل كل صورة توحي بالتفكير المتقدم الذي وصلوا إليه، ويتجلى فيها فيض الحس ورقته وهو يمتلئ بالعزة والكبرياء ولا شيء أقدس منها عند العربي إلا الانتماء إلى الوطن.

الحواشي:

(1) -أوس بن حجر: ديوان أوس بن حجر (بيروت- دار صادر- تحقيق د.محمد يوسف نجم) ص 83.

(2) -عنترة: ديوان عنترة بن شداد (دمشق- المكتب الإسلامي- تحقيق محمد سعيد مولوي) ص 253 وبعد.

(3) -ابن قتيبة: الشعر والشعراء (القاهرة- دار المعارف- تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر) ج1 ص 341.

(4) -عنترة: ديوان عنترة، ص 336.

(5) -المصدر السابق: ص 337-338.

(6) -المصدر السابق: ص 248.

(7) -الأصفهاني: الأغاني (القاهرة- نسخة مصورة عن دار الكتب- المؤسسة المصرية العامة) ج8، ص 241. وديوان عنترة ص 42.

(8) -طرفة بن العبد: ديوان طرفة بن العبد (بيروت- دار صادر- كرم البستاني) ص 36-38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت