فهرس الكتاب
والبيت الأخير بخاصة يبين علة الخلع والنفي؛ كما يكشف أيضًا أنه لا يوجد أغلى من الوطن (المجتمع والأرض) فيه عزته وحريته، وفيه يعلي كرامته. فالانتماء والانعتاق صنوان لظاهرة واحدة لا يعيش المرء إلا بهما معًا فإذا فُقد أحدهما انتهى الآخر. فالحرية لا تتجزأ عند العربي فإذا هددها خطر ولا سيما الأسر أو السجن ثأر لكرامته لأنه يدرك أنه سيلقى ذل الأسر وهوان السجن. ولن تهدأ نفسية العربي الأسير أو السجين حتى يعود إلى وطنه ليحس بدفء انتمائه. وأعود إلى قيس بن عيزارة الصعلوك مرة أخرى وكان وقع في أسر تأبط شرًا وقبيلة (فَهْم) فقال (19) : ... وهلْ تترُكن نفس الأسيرِ الروائعُ
لعمرك أنسى روعتي يوم أقْتُدٍ
ويظهر حزينًا على فراق أهله ونسائه وأرضه وأن بناته وأهله سيبكون عليه: ... سواكنَّ ذو الشجوِ الذي أنا فاجعُ
وقال نساءٌ لو قتلت لساءنا
رجال ونسوان بأكناف رايةٍ ... إلى حُثُنٍ ثمَّ العيونُ الدوامعُ
وقصة عبد يغوث بن وقَّاص الحارثي تعد النموذج الانتمائي للوطن وإبداء التعلق به يوم وقع أسيرًا بيد (تميم) في يوم الكُلاب الثاني ورفضت تميم أن تفديه بالنعمان بن جساس وطلبت منه أن يختار ميتته، فطفق ينشد قصيدته المعروفة (20) : ... وما لكما في اللوم خير ولا ليا
ألا لا تلوماني كفى اللومَ ما بيا
ويبعث رسالة إلى وطنه مخبرًا ذويه أنه لا لقاء له معهم بعد اليوم فيقول متابعًا: ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا
فيا راكبًا إما عرضت فبلغن
أحقًا عباد الله أن لست سامعًا ... نشيد الرعاء المُعزِبين المتاليا
إن الحسرة تقتله لأنه لن تكتحل عينه برؤية وطنه ولن يسمع نشيد الرعاة الجميل الذي يطرب الوديان فتتراقص أغصان الشجر على نغماته.. وأنه يلفظ أنفاسه في أرض غريبة يزفرها أنَّة تلو الأخرى، فلن يلقى أهله بعد يومه هذا في عامه هذا. ... أنه قد طال حبسي وانتظاري