فهرس الكتاب
وما ضريبة الجوع والتشرد والأذى إلا أولى النتائج التي تفرزها حركة التمرد على الانتماء والخروج عنه. قال أبو كبير الهذلي يخاطب ابنته زهيرة موطنًا إياها على الصبر وبأنها ليست أول فتاة تفقد أباها (16) :
أزهيرَ هل من شيبة من مصرفِ
أزهير ان أخًا لنا ذا مِرَّةٍ ... جلد القوى في كل ساعة محرفِ
فارقته يومًا بجانب نخلةٍ ... سبق الحمام به زهيرَ تلهُّفي
تعوي الذئاب من المجاعة حوله ... إهلال ركب اليامن المتطوفِ
لهذا ينبري الصعلوك نادمًا فيحن إلى وطنه وذويه متلفهًا على ذكرياته التي انتهت بكل لحظات الفرح التي ذهبت. قال قيس بن عيزارة (17) : ... وجادت عليها البارقات اللوامع
سقى الله ذات الغمر وبلًا وديمةً
بما هي مقناة أنيق نباتها ... مِرَبٌّ فترعاها المخاض النوازعُ
لها هجلات سهلة ونِجادة ... دكادِك لا تُوبى بهن المراتعُ
كأن يلنجوجًا ومسكًا وعنبرًا ... بأشرافه طلَّت عليه المرابعُ
وليست ظاهرة الانتماء والانعتاق واحدة الاتجاه عند الصعاليك جميعًا، فإننا نجد من أكد انتماءه بصور تبدو غريبة الأطوار. فالشنفرى مثلًا- قطع العلاقة القديمة بينه وبين مجتمعه وأرضه ليستبدل بهما أرضًا يجد فيها الأمن والطمأنينة- كما يعتقد- ومجتمعًا لا يعرف الكذب والخداع وإفشاء السر والغدر والظلم. فأرضه الجديدة هي كل أرض تطؤها قدمه لا خوف عليها ولا قلق، ومجتمعه الجديد الذي انتمى إليه هو عالم الحيوان وهو يمتاز بالصدق والوفاء والأنس، ويحرص على كرامته فيقول (18) : ... فإني إلى أهل سواكم لأميَلُ
أقيموا بني أمي صدور مطيِّكم
وفي الأرض منأىً للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القِلى متعزَّلُ
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئٍ ... سرى راغبًا أو راهبًا وهو يعقلُ
ولي دونكم أهلون سِيْدٌ عملَّسٌ ... وأرقطُ زهلولٌ وعرفاء جيألُ
همُ الرهط لا مستودعُ السرِّ شائعٌ ... لديهم ولا الجاني بما جرَّ يخذلُ