فهرس الكتاب
وتبرز ظاهرة الصعلكة من بين الفقراء والخلعاء الذين عجزوا عن مواجهة واقعهم وعدم تغيير النظام السائد آنذاك... وبهذا اتخذ الصعاليك من الهرب وكسر طوق الانتماء الذي يحمي وجودهم مبدأ، فقطعوا كل أواشج القربى بينهم وبين ذويهم، واعتقدوا بأنهم قادرون على بناء نظام اجتماعي واقتصادي جديد- ولكن ما يبنى على خطأ لا بد أن ينتهي إلى الانقراض-. فالنظام- أي نظام- لا يقوم على أنقاض الموتى ومال المسروقين سواء كانوا أغنياء أم فقراء، بل لا بد من توزيع عادل لهذا المال يقوم على أساس من الجهد لا الاغتصاب والسلب. وهذا السبب أدى بالصعاليك إلى وصفهم بالذؤبان،- والذئب لا يبغي إلا الشر- فضربوا في الآفاق متربصين بالقبائل الدوائر. وإذا وجد بينهم أمثال عروة بن الورد الذي اهتم بغزو الأغنياء لحساب الفقراء- وكاد يكوِّن تيارًا اجتماعيًا- فلا يعني أن الصعاليك كفرقة جماعية كانوا قادرين على تكوين انتماء جديد كبديل من الانتماء السابق لكل فرد منهم. وأيًا كان تمرد الصعاليك والخلعاء فإنما يؤكد قضية واحدة لا ثاني لها هي ظاهرة الانتماء وإثبات مظهر الانعتاق من خلالها- وإن بدا بشكله السلبي لا الإيجابي-. ويظهر عروة بن الورد ممثلًا لظاهرة الانعتاق الإيجابية في حياة الصعاليك- وهو مظهر فردي- ويبرز مفهومه للانتماء بين الماضي والحاضر دون أن يهدد حاضره ماضيه في بني عبس، فقال (15) :
إذا المرء لم يبعث سوامًا ولم يرح
فللموت خير للفتى من حياته ... فقيرًا ومن مولى تدب عقاربه
وسائلة: أين الرحيل؟ وسائل، ... ومن يسأل الصعلوك: أين مذاهبه
مذاهبه أن الفجاج عريضة ... إذا ضنَّ عنه بالفعال أقاربه
ويبرز العجز في إظهار الانتماء الجديد من خلال قلة الأمن والطمأنينة فالصعلوك يعيش في خوف دائم وقلق مستمر، ويتمثل رعبه في الفقر والتشرد اللذين سيطاردان أطفاله وذويه. ... أم لا خلود لباذل متكلفِ؟