فهرس الكتاب
ويبقى العربي شديد الوله بانتمائه ولا يستعيض عنه بأي ولاء آخر. لهذا يحاول الخليع المنتمي إلى قبيلة أخرى أن يعوض بانتمائه هذا عن سابقه فيخلص ما استطاع له. وأبرز من يمثل هذا الجانب من ظاهرة الانتماء والانعتاق قيس بن الحدَّادية. وكانت قبيلته خزاعة قد خلعته بسوق عكاظ، وأشهدت على أنفسها بخلعها إياه فلا تحتمل جريرة له ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه، ونزل عند قوم يقال لهم بنو عدي بن عمرو بن خالد فآووه وأحسنوا إليه فمدحهم قائلًا (14) :
جزى الله خيرًا عن خليع مطرد
فليس كمن يغزو الصديق بنوكه ... وهمته في الغزو كسب المزاودِ
وقد حدبت عمرو عليَّ بعزها ... وأبنائها من كل أروع ماجدِ
وسخِر من قبيلته لأنها تحولت عنه، وأنكرت انتماءه إليها، ووصفها بعدم رعاية العهد. وهذا دليل على تأثير هذا القرار على العربي ونفسيته؛ كما ندرك مدى الندم الذي يشعر به الخليع، فيتابع قيس: ... سواكم عديد حين تبلى مشاهدي
عليكم بعرصات الديار فإنني
تجنَّى عليَّ المازنان كلاهما ... فلا أنا بالمغضي ولا بالمساعد
ويحاول الخليع أن يصل ما انقطع بينه وبين مجتمعه... ولكنه غالبًا ما يخفق لأنه يظن أنه امتلك ناصية حريته فتكون عين عليها وعين على قبيلته. ويسقط في امتحان عودة الانتماء وينتصر بانطوائه تحت زمرة من الخلعاء المتشرذمين ليهددوا أمن الأفراد وانتماءهم وليشكلوا جماعات من الصعاليك اللصوص الذين يقوم مذهبهم على السلب والنهب. ... عليه، ولم تعطف عليه أقاربه