فهرس الكتاب
لم يكن من عادة العرب إكراه الشعوب التي يحكمونها على اعتناق الإسلام، بل تترك لهم الحرية بعد أن تبين وتشرح لهم أصول الشريعة الإسلامية وأحكامها، فمن يعتنق الإسلام يصبح متساويًا مع بقية العرب المسلمين في الحقوق والواجبات، له ما لهم وعليه ما عليهم"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى". أما من يبقى على دينه فهو حر في عباداته وطقوسه وعاداته، ولا فرق في المعاملة بينه وبين المسلم إلا في دفع الجزية مقابل إعفائه من تأدية الخدمة العسكرية. هذه هي أوامر القرآن"لا إكراه في الدين".
وقد مهد العرب لجميع الشعوب التي حكموها الطريق للاندماج في مجتمعهم، وأفسحوا لهم المجال لتقلد جميع الوظائف والقيام بجميع الأعمال التي يرغبون القيام بها.
لم يجد طارق بن زياد وموسى بن نصير صعوبة كبيرة في احتلال شبه الجزيرة عام 711م. ذلك أن الأوضاع فيها كانت سيئة للغاية، فالهوة كبيرة بين الحكام وأفراد الشعب الذين كانوا يعيشون في حالة بؤس، ويلاقون صنوف الاضطهاد والتفرقة الاجتماعية والاقتصادية، لذلك رحبوا بالفاتحين الجدد واطمأنوا لعدالتهم وحسن معاملتهم. غير أن عهد الفتوحات الأولى الذي يدعى بعهد الولاة والذي دام 14 عامًا، لم يكن سوى عهد تثبيت للحكم، فعهد الازدهار قد بدأ مع عبد الرحمن الأول صقر قريش، الذي فرّ من دمشق متخفيًا خوفًا من بطش العباسيين إثر سقوط الدولة الأموية. وكان أن أصبح هذا الشاب الأموي المغامر والطموح، بعد اجتيازه مضيق جبل طارق بوقت قصير سيد الأندلس بلا منازع، فجلب إليها الاستقرار خلال حكمه الذي دام زهاء ثلث قرن، وأخذت في أيامه تتفتح أكمام الثقافة والأدب والفن، وتتقدم مختلف العلوم، وتطرق الحضارة القادمة من المشرق العربي أبواب الأندلس، فتفتح أمامها هذه الأبواب مشرعة على مصراعيها لتلجها الرفاهية والتقدم والازدهار.