فهرس الكتاب

الصفحة 7968 من 23694

علت صيحات في الماضي في إسبانيا تطلب طمس كل أثر عربي، وتقول بوجوب محو الحقبة العربية من تاريخ إسبانيا. وقد انجر بادئ الأمر إلى اعتناق هذا التفكير كثيرون، خاصة خلال فورة الانتصار حيث كان يسود شعور الكراهية، لهؤلاء الذين كانوا يحكمونهم باسم دين غير دينهم، وباسم قومية غير قوميتهم. غير أن العقل والمنطق ما عتما أن تغلبا، فأوقفوا تبديل معالم الآثار والأوابد العربية، بل وباشروا بترميم ما أصابه التلف منها، فهذه المعالم هي الآن ملك لهم وتشكل جزءًا من تاريخهم، فعليهم أن يحافظوا عليها دون تبديل أو تغيير، فهي ليست ثروة عمرانية وحضارية فحسب، لكنها مصدر هام لجذب السياح من كل حدب وصوب، وهكذا أصبحت السياحة في إسبانيا من أكبر الصناعات التي تدر عليها الربح الوفير. فتطور التفكير واعتبرت حقبة الحكم العربي جزءًا من تاريخ إسبانيا مثله مثل باقي العهود، الروماني والجيرماني والقوطي، فحضارة الأمة هي محصلة لمختلف الحضارات المتعاقبة عليها عبر تاريخها. والحقيقة فإن هذه الحضارة التي سطع نجمها في إسبانيا، لم تكن قائمة على أكتاف العرب وحدهم، بل اشترك في إنشائها جميع سكان الأندلس من عرب وإسبان وبربر. وقد اعتنق الإسلام أعداد كبيرة من سكان شبه الجزيرة الايبرية، ومع مرور الزمن أصبحت لغتهم هي العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم، بالإضافة إلى أن السكان الذين فضلوا الاحتفاظ بدينهم، قد تعربوا كذلك، فصار قسم كبير منهم مبرزين في مختلف العلوم والآداب والفنون. إن هذا التعاون الحضاري الذي جرى في إسبانيا بين الشرق والغرب قد أعطى البشرية خيرًا كبيرًا، وكانت له ثمار يانعة القطاف، فتبادل الثقافات بين الشعوب مع الاحترام المتبادل والمعاملة العادلة قد أدى إلى تفتق العبقريات وتفتح العقول في الماضي، ويجب أن يؤدي إلى نفس هذه النتائج في هذا العصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت