فهرس الكتاب

الصفحة 8140 من 23694

على أنه وراء هذا الجسر الحضاري الساحلي، جسر آخر استراتيجي بري. هو الشريط الساحلي الممتد على خليج ايسوس إلى مصب نهر العاصي على خليج الاسكندرونة. وإن أقرب منطقة ساحلية إلى الفرات تبعد عنه أقل من مائتي كيلومتر، وهي تشكل الجسر الذي يصل ما بين الحوض الشرقي للبحر المتوسط من جهة والعالم الأكدي- البابلي، عالم الثقافة المكتوبة والمسجلة بالمسمارية وهو العالم الذي ينفتح عبر الخليج وجنوب الجزيرة العربية (ديلمون وماجان وملوخا) على حضارة الشرق، بلاد اللآلئ والجواهر والتوابل والحجارة الكريمة والأقمشة الجميلة الملونة والصموغ والعطور واللبان من جهة أخرى. ويشكل هذا الجسر البري السوري أهم مراحل الاتصال بين مصب العاصي على المتوسط (البحر الأعلى) ومصب دجلة والفرات في الخليج العربي الشرقي (البحر الأدنى) وبالتالي بين حضارات البر والبحر.

كانت الممرات الطبيعية التي اكتشفها أهل البلاد وهم يخترقون الجبال المكسوة بالغابات منذ أيام جلجامش، معابر للاتصال بين عالم البحر من جهة وعالم البر من جهة أخرى. ففي الشمال تقع الممرات الكيليكية في وادي نهر بيراموس (نهر سيحون) ، وهي ممرات (حمانو) = (أمانوس) المؤدية إلى سهول حلب عبر المدينة الحثية- الكنعانية- الآرامية شمأل، الواقعة في أقصى الشمال، وهي موقع زنجرلي اليوم. وما يزال هذا الممر يحتفظ بأهميته الاستراتيجية حتى أيامنا هذه، فيمر فيه الخط الحديدي لقطار الشرق. وفي هذا المكان الذي كان يخترقه الإنسان سيرًا على الأقدام ليؤكد بحركته وجوده اتصال الأرض ووحدتها حفر نفق بطول خمسة كيلو مترات في جوف الجبال لخدمة المواصلات في عالمنا المعاصر (7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت