فهرس الكتاب

الصفحة 8156 من 23694

وفي حين اقتصر نجاح امبراطورية الفرس الأخمينيين على ضم الممالك والدول في المشرق القديم من برقة إلى الهند ومن البحر الأسود وبحر ايجة وحوض المتوسط إلى بحر العرب في دولة واحدة شاملة فإن الحضارة بقيت متعددة الألوان. فلم تكن الجيوش المظفرة قادرة على محو الثقافات العريقة في عقائدها وأساطيرها وتقاليدها وتراثها الثقافي، اللغوي والأدبي والفني. ففي أدوار سابقة كانت مجتمعات الساحل السوري قادرة على التصدي لمحاولات سيطرة الفاتحين بما تملكه من قدرات على تحريك المؤسسات الاقتصادية وخاصة التجارة والنقل وتسيير القوافل وتأسيس الوكالات والمحطات في نقاط ومراكز بعيدة، مما أدى إلى خلق شبكات منتجة ومتحركة وفعالة فرضت وجودها في إطار الدولة الشاملة نفسها.

هكذا كان للكنعانيين ولدول المدن الساحلية، مثلًا، الدور الأول في التصدي والاقتحام والدفاع في مراحل الحروب الميدية- الهلينية. وكان من هذه المدن قادة الأساطيل وبحارتها كما كان منها التجار والكتاب والصناع. لكن انتصارات الاسكندر المقدوني الصاعقة قلبت هذا الوضع رأسًا على عقب. لقد نجم عن الانتصار المقدوني الهلِّيني في الشرق هزيمة عسكرية وسياسية حاسمة للامبراطورية الفارسية الأخمينية، وهزيمة اقتصادية حضارية ماحقة للعالما الآرامي- الكنعاني (الفينيقي) كان من مؤشراته البارزة: أولًا، سقوط المدن التجارية الكبرى وتهديمها صيدا وصور وغزة وغيرها. وثانيًا، الغزو الاستعماري الاستيطاني الهليني الذي تمثل بإنشاء وعمارة المدن الهلنستية مثل: أنطاكية واسكندرونة وسلوقية وأفامية واللاذقية.. وأضحت هذه المدن على شواطئ المتوسط الميدان الذي تلاقت فيه الحضارات والثقافات وتفاعلت وأنتجت من تفاعلها فيها وفي الشرق الأدنى القديم كله الحضارة الهلنستية التي طبعت البلاد بطابعها حتى العصر الروماني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت