فهرس الكتاب
لقد أوجدت وحدة المشرق القديم تحت زعامة ملوك آشور وبابل سوقًا تجارية مشرقية واسعة، ودفع التجار السوريون الفينيقيون بخاصة التجار اليونانيين أمامهم في شرقي البحر المتوسط، فاضطر هؤلاء إلى الابتعاد عن الساحل السوري ليتخذوا مراكز لهم في جزر رودس وديلوس وأرخبيل السيكلاد بينما تقدم التجار البابليون والآشوريون والكنعانيون والآراميون نحو كيليكية وسواحل آسية الصغرى الجنوبية، واستمر هذا التفوق المشرقي عدة قرون إلى العصر الكلاسيكي الهيليني في القرنين الخامس والرابع ق.م إلى أن تصاعد التنافس التجاري إلى الصراع الحربي، وبلغ هذا الصراع ذروته في الحروب الفارسية- الهلينية ثم في الاجتياح الذي قاده الاسكندر المقدوني نحو بلاد الشرق.
وفي خضم الظروف الدولية التي تعرضت لها دول الساحل الكنعاني في العصرين الفارسي والهلنستي ضعف الاتصال بين صور وقرطاجة والمراكز الفينيقية الأخرى في الحوض الغربي للمتوسط. ولكن مصير الساحل السوري بقي مرتبطًا بمصير المنطقة كلها وبما مر عليها من تغيرات وتطورات. فبعد حلول الامبراطورية الفارسية الشاملة محل عروش الممالك القديمة ثم توحيد الإدارة ولغتها رسميًا وإداريًا لأول مرة في مناطق واسعة من العالم القديم. وبين اللغات العديدة التي كانت متداولة آنذاك فرضت اللغة الآرامية، وهي لغة سورية ومعظم المشرق القديم في ذلك العصر، نفسها لغة عامة ومشتركة لتلك الامبراطورية الكبرى المتعددة الألسن واللغات، واحتل التجار السوريون الآراميون والفينيقيون في البر والبحر في بنية الدولة الاقتصادية فحملوا معهم العطور والخمور والزيوت والعقاقير والثمار المجففة والأخشاب والأقمشة، واستوردوا الحرير والتوابل والبخور وتحركت أسرات وجاليات بين بلدان الدولة وأقطارها حاملة معتقداتها وثقافاتها وعاداتها فتأثروا بالبيئات الاجتماعية والأوساط الثقافية التي انتقلوا إليها كما أثروا هم فيها وتركوا بصماتهم عليها.