فهرس الكتاب
ما هو وضع الدول الساحلية الكنعانية- الفينيقية بعد استقرار الدول الآرامية في الداخل وانطلاق حركة التوسع الآشوري بعد أن برزت مملكة آشور بنزعاتها العسكرية وباستراتيجيتها التوسعية الموروثة من عصر الفاتحين الأكدين شروكين ونرام سين قبل ذلك بأكثر من ألف عام؟ كيف كان بالواقع وضع الدول التي كانت قائمة في ما كان يدعى بسورية على سفوح طوروس والأمانوس عند انتشار القبائل الآرامية التي تحركت لشغل الفراغ في منطقة الجسر السوري الاستراتيجي بين الفرات والبحر وهو الفراغ الذي أوجدته حركات الشعوب وتبدل مواقع الدول وأدوارها في المنطقة؟
إن وثائق المحفوظات الآشورية التي تتضمن سجلات الحوليات الرسمية من أيام تكلات بلاصر الأول (توكولتي أبيل ايسَّار) = (1115-1077) ق.م تعترف بالواقع السياسي للتحالف السوري الشمالي بزعامة ما دعي ببلاد حاتي الكبرى (11) .
لقد أوضح الأستاذ بول جاريللي أن هذا التحالف بزعامة ملك كركميش الواقعة في شمال سورية والذي امتد إلى حماه في وسط البلاد لم يكن مجرد بقية الامبراطورية الحثية المنهارة بل كان قوة دولية حقيقية استطاعت أن تثبت وجودها أمام التوسع الآرامي من جهة ثم أمام التوسع الآشوري في شمال سورية ونحو المدن الساحلية على المتوسط.
لقد رافق هذا التغيير الجيوسياسي في سورية تغيير نوعي حضاري بطيء. إن حضارة عصر البرونز هي الحضارة التي بدأت بالانهيار منذ القرن الثاني عشر عند اصطدامها بحضارة عصر الحديد في ظروف لما يتم جلاؤها بعد (دمار أجاريت ومدن ساحلية أخرى) . وفي هذا التغيير كان مصير الدول الفينيقية شبيهًا بمصير الدول والممالك الآرامية بمواجهة زحف الدول الامبراطورية الشاملة المتعاقبة: آشور ثم بابل ثم فارس.