ولم يعدم، مع ذلك، وسيلة تخفف شيئًا من آلامه النفسية والجسمية، من احتراق روحه وأعصابه، من رهافة حسه التي وصفها المتنبي أو وصف أصحابها بقوله الجميل هذا:
أفاضلُ الناس أغراض لذا الزمن
يخلو من الهمّ أخلاهم من الفطن
مداواة الداء بالداء:
وكانت الوسيلة انغماسًا في مزيد من الرهافة، وفي مخالطة أناس في مثل رهافته ورقة وجدانه، ومن هم غير الفنانين أمثاله وأصفياء روحه، ولا سيما أهل صناعة الغناء، من المغنين المطربين، أمثال عبده الحمولي، ومحمد عثمان، وعبد الحي حلمي، وغيرهم.. فكان كلِفًا بفنهم، كثير الصحبة والمخالطة لهم، بل شديد الاستئثار بهم، لا يرى حقيقًا بمجالستهم وسماعهم إلا من كان صاحب حس وذوق وحسن استماع. وكان يرى"أن الفن ابن الموهبة، والمواهب ليست من الحق المشاع لجميع الناس".
وكان إلى ذلك عالمًا بفن الغناء، عارفًا بأصوله وأنغامه. يقول في أحد"أدوار"الشيخ"سيد درويش":
كان من أوالي بدعه في جد تلاحينه (دور ياللي قوامك يعجبني) ، وقد صاغه من نغمة- النكريز-. وأكبر الظن أنه لم يكن لموسيقار مصري عهد بهذه النغمة من قبل. وقد أجاد"سيد"في تلحين هذا"الدور"وخلب وراع، فوق أنه طبعه على غير غرار معروف في مصر، وصاغه على غير مثال قديم فيها أو جديد!". ودل على دقة حسه الموسيقي، واندماجه العفوي به، فقال وهو في صدد الكلام على ضرب من ضروب الغناء:"
"لقد كنا نجد في هذا الغناء صورة بيِّنة مما في نفوسنا، حتى لكان يخيَّل إلينا أنه صادر عنها لا وارد عليها، وكأننا نحن الذين لحنوه وصاغوه. فإذا لم يبلغ بنا الشعور هذا الموضع، خلنا أنه لو كان أفضى إلينا بتلحينه وصياغته لما أخرجناه وصورناه إلا هكذا. بل إن حسن السبك وقوة الصياغة لتذهب بنا إلى الشعور بأن هذا الذي نسمع إنما هو شيء من صياغة الطبيعة لا أثر فيه لصنعة الإنسان..".