أما (شخصيته) فكانت فريدة فذة نادرة المثال. وإذا كان الإنسان مزيجًا من لحم ودم وأعصاب، فقد يخيل إلينا أحيانًا أن نسبة ما (يحتويه) فرد من هذه العناصر مختلفة عنها في غيره، فهناك (السعيد جدًا) بما خص به من لحم متكتل وبطن متهدل، يزينه بطبيعة الحال- حسٌّ هامد وعقل جامد ورأس خاوٍ لو نقرت عليه لطنّ... وهناك (الشقي جدًا) برهافة حسه ورقة طبعه ومشاعره، فهو في عذاب دائم مع نفسه ومع الناس.. والزمان، لولا ما يسري به عن نفسه ويجلو من سويداء روحه، من حب لكل جميل فاتن، سواء كان أدبًا أو طبيعة أو لحنًا أو نكتة بالغة. وربما كان من هذا الصنف من الناس أديبنا"البشري"، وقد وصفه"طه حسين"بقوله:
"... إنه قوي الحس إلى درجة نادرة حقًا.. سريع التأثر والتأثير، فهو إذا أحس لا يكنّ ما أحسه، ولكنه يعلنه ويظهره، فهو يتلقى الأشياء مسرعًا، ويعكسها مسرعًا..".
نحن إذًا تجاه"شخصية"فريدة غريبة الأطوار، تقوم على مجموعة من الصفات قد تبدو متناقضة، فهو- كما وصفه بعضهم- إنسان"حسن العشرة، بارع الحديث، سريع الخاطر، يجيد المفاكهة، ويستضحك بنوادره الباكي الحزين". ولكنه كان في مقابل ذلك"عصبي المزاج، يثور لأقل بادرة. وفي سبيل ذلك يهدر الصداقة القديمة، ومن أجل هذا المغمز كان الكثير من أصدقائه يتقونه ويتحاشونه، ويخافون من سقطات لسانه..".
ومهما يكن من شأن هذه الصفات، وتناقضها- ولو ظاهريًا- فهي صفات إنسان رهيف الحس، شاعري المزاج، معذب برهافة حسه ومزاجه. ذكر بعضهم أنه كان في صباه يمضي الليل ساهرًا، ولا ينام إلا غرارًا، فتحطم من ذلك جسمه، وتضعضعت في الكهولة صحته. وهكذا طوى الأعوام العشرة الأخيرة من حياته مريضًا، ما يكاد ينقه حتى تعاوده العلة.. أضناه المرض الوجيع حقبة من السنين.."."