الكاتب إذًا وجد نفسه في الأدب والفن، وأرهفها وصقلها وسرّى عنها بالموسيقى التي وجد فيها صنو روحه وذوب وجدانه، وسلوى نفسه الحبيسة في إرساء القيود التي تثقل روحه وتحزّ في أعصابه، قيود الوظيفة وما تقتضيه من انكماش وحفاظ على المظهر، بما لا يلائم طبعه وجوهره.. فإذا كان الكاتب قد وجد نفسه في الأدب والفن، فقد وجد نفسه أيضًا مشدودًا إلى طرفين متناقضين، بالقياس إليه على الأقل، فهو يريد أن يذهب مع ميوله الأدبية والفنية إلى أقصى مدى يريده، ولكن طبيعة عمله ومركزه بين الناس تحد من ميوله هذه، بل تقف سدًا منيعًا بينه وبين ما يحب،"فما كان يستطيع الكتابة بتوقيعه الصريح، وكان يخشى أن تنسب مقالاته لغيره، فكان يطلع أصحابه على ما ينشره ليعلم الناس أن هذه الجزالة اللفظية، وهذا الترف البياني والترصيع الإنشائي، كل أولئك من صنعة المترجم" (1) . وهذا في ذاته أمر شاق على صاحبه، فالكاتب يحب أن يكتب لينقل شعوره إلى الناس، وليرى صدى شعوره هذا عندهم.. وهو يريد أن يرتد هذا الصدى إليه لا إلى غيره أو إلى"إنسان مجهول"لا يعرفه الناس ولا يعرفون عنه شيئًا.. يريد أن يسمعوا نبض قلبه ويحسوا وهج شعوره، ويبادلوه نبضًا بنبض وشعورًا بشعور، ولا يحب أن يختفي نبضه في نبضات غيره، ويغيب شعوره في كهوف معتمة تسمى قلوبًا، ولكنها لا تخفق بما يخفق به قلبه، ويفيض به وجدانه..
ولا شك أن اختفاءه وراء توقيعه المموه، كاف وحده لتقليص شهرته في حياته، وتغييبها بعد وفاته. ولكن وراء خفوت صيته وغياب شهرته أسبابًا أخرى ليس هنا مجالها، وقد أشرنا إلى بعضها في مقدمة المقال، وثمة غيرها سيحين أوانها..
البشري الأديب
ولكن.. ماذا عن"البشري"الأديب؟ وعن أدبه؟ لنذكر أولًا أنه أحد أفراد الجيل الأدبي الممتاز الذي أعقب البارودي وشوقيًا وحافظًا والمنفلوطي، جيل طه حسين والعقاد والمازني وتوفيق الحكيم والزيات والرافعي وأحمد أمين.