غير أن الصليبيين الذين هالهم الأمر، حاولوا استعادة هيبتهم، واستقدموا نجدات كبيرة من أوربا، ودخلت الحروب في طور جديد هو ما يعرف لدى المؤرخين بالحملات الصليبية الثانية، وكانت وجهتها مصر كيلا يقع يومًا بيت المقدس وعكا وسائر ساحل الشام تحت رحمة الجيوش الإسلامية، إذا ما قدّر للعرب أن يتحدوا. وكانت مصر، في أواخر عهد الفاطميين، غارقة في فوضى سياسية شاملة. وكان خليفتهم العاضد لدين الله طفلًا لا حول له ولا قوة، فخلا الجو للوزراء ولرجال القصر، واحتدم صراعهم على السلطة.. واضطر شاور أحد حكام مصر إلى الاستعانة بالقائد القوي نور الدين محمود والتحالف معه عسى أن يتغلب على خصومه. وكان أن مضى أسد الدين شيركوه ومعه ابن أخيه صلاح الدين على رأس جيش إلى القاهرة سنة 559هـ. ولكن الصليبيين استطاعوا أن يهيمنوا على مقدرات مصر بعد أمد قصير ثم جهزوا حملة سنة 564هـ، انطلقت من القدس وعكا لاحتلالها وجعلها في حوزتهم، وتمكنوا من احتلال بلبيس وارتكبوا فيها مجازر رهيبة. غير أن زحفهم قد توقف على أبواب الفسطاط والقاهرة، ثم اضطروا للارتداد على أعقابهم نتيجة لاستبسال المصرين وتضحياتهم الكبيرة. وما لبث صلاح الدين في السنة نفسها أن تولى الوزارة بعد عمه أسد الدين. واستطاع بذكائه وحسن تدبيره وعدله وسماحته أن يكسب محبة الشعب وولاء الجيش.