وأحس الفرنجة بالخطر المقبل الذي كانوا يخشون حدوثه من قبل في حال دخول مصر في حوزة نور الدين محمود. أما وقد أصبح العرب في الشام ومصر تحت قيادة واحدة قادرة على أن تطبق بكماشتها على إمارة القدس الصليبية، فقد بدا للصليبيين أن خير سبيل للدفاع هو الهجوم، وهكذا أعادوا الكرة من جديد لاستخلاص مصر لأنفسهم أو تولية من يرضون عنه حاكمًا عليها، فاحتلوا دمياط، وراحوا يتحفزون للانقضاض على القاهرة. غير أن صلاح الدين بذل كل ما وسعه من جهد في التصدي لهذه الهجمة، ثم خرج للقاء الفرنجة بنفسه على رأس جيش كبير فقهرهم، وبعد حين في عام 566هـ خرج صلاح الدين من مواقع الدفاع إلى مواقع الهجوم بعد أن نظم جيشه أحسن تنظيم وعباه أفضل تعبئة، فأغار على حصون الصليبيين في الساحل غارات موفقة، وعاد مظفرًا إلى مصر بعد أن عظمت هيبته في النفوس. ثم آلت إليه الأمور بعد وفاة نور الدين محمود سنة 569هـ وتلقب بالملك الناصر. وكانت سنه سبعة وثلاثين عامًا.
واستطاع صلاح الدين بعد ذلك أن يحقق هدفًا كبيرًا لا بد منه لبلوغ النصر الحاسم وهو توحيد شمل البلاد العربية، فدانت له مصر والشام والموصل وبلاد الجزيرة وديار بكر والحجاز واليمن وجزء من بلاد المغرب، وتدفق عليه المجاهدون من جميع تلك الأرجاء، وانصبت موارد الأمة في سبيل حركة الجهاد (1) .
وبعد أن وطد صلاح الدين الأمور في مصر ودمشق وحلب، وذلل ما اعترضه من عقبات، وأزال من تصدى له من الحكام خرج عام 1177م على رأس جيش كبير يروم كسر شوكة الصليبيين، ولكنه مع ذلك لم يفلح في تحقيق النصر المنشود لشدة تحصينات العدو ومنعة قلاعه. فارتد إلى مصر، وجعل يزيد من استعداده في ضوء تجربته السابقة.