فهرس الكتاب

الصفحة 8223 من 23694

إن حياة حافلة بجلائل الأعمال وروائع الانتصارات عاشها صلاح الدين زهاء ثلاثة عقود من السنين كانت جديرة بأن تشد إليها النفوس وتجذب نحوها القلوب، فمنذ أن تولى صلاح الدين شؤون الإدارة والحرب، وهو ابن سبع وثلاثين من عمره انعقدت عليه أوسع الآمال في طرد الصليبيين واسترجاع الربوع المحتلة إلى أهلها العرب.

وكان من طبيعة الأمور أن يواكب الأدب تلك الأحداث الجسام وينفعل بما تنطوي عليه من انتصارات باهرة كانت تهز ضمير الأمة، وتلهب قرائح الشعراء، وتشحذ ألسنة الخطباء، وقد ذكر بعض الدارسين زهاء خمسين شاعرًا (2) ، منهم المصري والشامي والعراقي... كانوا يقدمون إليه حيث كان، فيبادرون إليه مهنئين، وينشدونه الأشعار مادحين وممجدين. وقد وصف العماد الأصفهاني بعض هذه المحافل من مثل ما أعقب سلسلة انتصاراته السابقة وذلك قبل معركة حطين واسترداد القدس ببضعة عشر عامًا فقال (3) :

"كنت جالسًا بين يدي الملك الناصر صلاح الدين بدمشق في دار العدل فحضر الشاعر سعادة الضرير وهو من أهل حمص ووقف ينشد هذه القصيدة في عاشر شعبان إحدى وسبعين وخمسمئة"، وقد استهلها بالغزل (4) :

حيتك أعطاف القدود ببانها

وذكر العماد أنه في اليوم التالي احتفل الحفل، بحضور أهل الفضل، فأنشد الشاعر بين يدي صلاح الدين (4) : ... هم الذئاب، وأنت الضيغم الأسد

لا يقعدنك ما حلوا وما عقدوا

وكان ممن قصدوا إلى دار العدل أيضًا بدمشق البهاء السنجاري، وهو من الموصل فأنشد قصيدة مطلعها (5) : ... وهززت من لين القوام مثقفا

جردت من فتكات لحظك مرهفا

وكان صلاح الدين دائب الحركة كثير التنقل لا يكاد يستريح به جواده في أرض حتى ينهض إلى أخرى. وحين بلغ حمص مرة وعسكر بالعاصي، قصد الناس إلى خيمته مرحبين، وفيهم الشاعر مهذب الدين الموصلي حيث قال من قصيدة (6) : ... رأوا ما لا يطاق من الكفاح

وما خضع الفرنج لديك حتى

ملأت بلادهم سهلًا وحزنًا ... أسودًا تحت غابات الرماح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت