وتعكس القصيدة مشاعر الأمة يومئذ حين أتتها البشرى بتحقيق الأمل المنشود، بعد أن غلب التشاؤم على النفوس، وكاد الناس يستسلمون لليأس، فلا غرابة بعد ذلك أن يقر لدى المؤمنين بأن ما حدث كان نصرًا من الله ووفاء بما وعد به رسوله، وأن تنطوي الأبيات على العديد من المعاني الدينية المعهودة في مثل هذه الأحوال من التسبيح والاستغفار، ومن التطهر والقيامة والحشر... ... من شك فيهم فهذا الفتح برهان
وكان فخر الكتاب الحسن بن علي الجويني قد صور انفعاله بتلك الأيام الغر فقال من قصيدة طويلة (29) :
جند السماء لهذا الملك أعوان
هذي الفتوح فتوح الأنبياء، وما ... له سوى الشكر بالأفعال أثمان
أضحت ملوك الفرنج الصيد في يده ... صيدًا، وما ضعفوا يومًا وما هانوا
وإذا تجاوزنا هذه الأبيات التي استهل بها الشاعر قصيدته وما تلاها من كلام معهود ينطوي على تصوير المشاعر الدينية المتأججة والطابع المقدس لذلك النصر، فإن الذي يعنينا هو جانب من المضمون الذي أورده الجويني، وقلَّما عثرنا على مثله في كثير من الأشعار. فقد عقد الشاعر بعض المقارنات بين صلاح الدين وعدد من الملوك المتقاعسين الذين سلفوه، دون أن يلبوا نداء من يستغيث بهم من وطأة الفرنجة وتجبرهم، فأحجموا عن الجهاد وخانوا البلاد: ... خوف الفرنجة ولدان ونسوان
كم من فحول ملوك غودروا وهم
استصرخت بمَلِكشاهٍ طرابلسٌ ... فحاد عنها وصمَّت منه آذان
ولعل من أهم ما يورده الشاعر في قصيدته أيضًا، فيما يقارب النزعة التوثيقية، إشارته إلى بعض الحقائق التاريخية، بل رصده للواقع السياسي والاجتماعي والنفسي لحال العرب عهدئذ قبل أن تكتحل عيونهم بمرأى ذلك الفتح المبين: ... والإسلام أنصاره صم وعميان
تسعون عامًا بلاد الله تصرخ