فاستحالت شقائق الكفر صمتًا ... حين عادت تلك الشجاعة جبنا
أشجع القوم فيهم جاعل الدرع ... هروبًا أو الفرار مجنا
وجرت منهم الدماء بحارًا ... فجرت فوقها الجزائر (26) سفنا
قد ملكت البلاد شرقًا وغربًا ... وحويت الآفاق سهلًا وحزنا
كذلك بادر علي بن الساعاتي من جديد وبتساؤل المذهول المفتون، إلى تصوير وقع النبأ العظيم الذي جلّ عن أن يحيط به نظم من الشعر أو نثر من الخطب (27) : ... لأية حال نذخر النثر والنظما
أعيًَّا، وقد عاينتم الآية العظمى
وكان طبيعيًا في موكب الشعر أيضًا أن يكون للعماد الأصفهاني شاعر صلاح الدين وكاتبه ما يقوله في هذه المناسبة، مشيدًا بنصر مليكه العظيم، وما كان له على العرب والمسلمين من فضل عميم. وقد استهل قصيدته بالإعراب عن أساه لمفارقة مولاه منذ أن غادر ذلك القائد أرض الكنانة في حملته الكبرى مجاهدًا لتحرير الوطن من دنس الاحتلال، فقال (28) : ... وأظلم اليوم مذ بنتم فما شمسا
استوحش القلب مذ غبتم فما أنسا
ومن مصر أيضًا صوّر نقيب الأشراف شرف الدين الجواني ذلك الفرح الغامر في إثر انتصارين خالدين: حطين والقدس، يكاد المرء لا يصدق أخبارهما فقال: ... القدس يفتح والفرنجة تكسر
أترى منامًا ما بعيني أبصر
ومليكهم في القيد مصفود ولم ... ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر
قد جاء نصر الله والفتح الذي ... وعد الرسول فسبِّحوا واستغفروا
فتح الشآم، وطهَّر القدس الذي ... هو في القيامة للأنام المحشر
حيث الرقاب خواضع، حيث العيون ... خواشع، حيث الجباه تعفر
ملك غدا الإسلام من عجب به ... يختال، والدنيا به تتبختر