وكان أن تابع القائد صلاح الدين زحفه المقدس، فيمم وجهه شطر بيت المقدس، فبلغ أبواب المدينة يوم الأحد، الخامس عشر من شهر رجب سنة 583هـ 1187م. وكانت القدس مدينة حصينة، تحيط بها أسوار منيعة، فحاصرها العرب من جميع جهاتها، ونصبوا المجانيق لدك أبراجها. وقد احتمى الصليبيون في داخلها بعد أن عقدوا العزم على الدفاع عنها. غير أنهم بعد أن تحملوا الحصار نحوًا من سبعة أيام أدركوا أن لا قبل لهم بذلك الجيش الظافر وقوته الضاربة، ولا سيما بعد أن خضدت شوكتهم، ووهت عزيمتهم، وتحققت في حطين هزيمتهم. فرأوا من الخير حقن دمائهم، وقر رأيهم على رفع رايات التسليم، وجرت مفاوضات على شروطه. وكان صلاح الدين كدأبه شهمًا متسامحًا مع أعدائه ولم يتكبر أو يتجبر. ... يا منيل الإسلام ما قد تمنى
وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب عام 583هـ، الموافق لمنتصف تشرين الأول من عام 1187م دخل الناصر المظفر المدينة المقدسة. وصادف ذلك أن المسلمين احتفلوا في تلك الليلة أيضًا بذكرى ليلة الإسراء. وكان نصرًا مؤزرًا وفتحًا مبينًا (25) .
وفي إثر ذلك المنعطف التاريخي الحاسم طار صيت الناصر صلاح الدين، وعم الفرح والابتهاج جموع العرب والمسلمين، فدوت أخبار انتصاره في كل الأسماع، وانغمرت بمحبته كل القلوب، وغدا رجل الساعة وبطل الأبطال.
وما إن بلغت البشرى الجديدة بفتح بيت المقدس بعد حطين، أرض الكنانة، حتى هلل الناس وكبروا، وانطلقت ألسنة كتابهم وشعرائهم تتبارى في التعبير عن نشوتهم بهذا الفتح المبين، وكان صوت ابن سناء الملك من مصر صوتًا مدويًا ومنتظرًا في عالم الأدب، وقصيدته كما هو شأن الكثير من أمثالها تجمع بين المديح والحماسة، إنه يخاطب البطل الأيوبي مرة أخرى اليوم بعد أن خاطبه بالأمس القريب في قصيدة سينية سالفة، حين حط ببأسه يومئذ على حطين، فيقول:
لست أدري بأي فتح تهنا
قد ملكت الجنان قصرًا فقصرًا ... إذ فتحت الشآم حصنًا فحصنا