ويشيد الشاغوري، في نهاية المطاف، ببعض سجايا البطل الأيوبي الكبير تجاه أعدائه، وكيف أنه جنح للتسامح معهم، فأمنهم على نسائهم، وحماهم وذويهم من كل أذى، كما تقضي بذلك عقيدته السمحة: ... ودرأت عنهم قاصمات الأظهر
آمنت سربهم، وصنت حريمهم
ما إن رآك الله إلا آمرًا ... فيهم بمعروف ومنكِر منكَر
متواضعًا لله جل جلاله ... وبك اضمحلت سطوة المتكبر
على أن البطل الأيوبي لم يشأ أن يركن للدعة أو يأنس بالراحة، كما لم يكن ذلك الظفر المبين ليغريَه ويزدهيه، فمضى في طريقه إلى النهاية، وتوالت الأحداث وتواصلت المعارك، إذ قر عزم صلاح الدين على ألا يدع لعدوه فرصة لجمع شتاته، وهكذا استولى على مواقع حصينة في الساحل ليمنع وصول النجدات إلى الفرنجة في القدس، وليبقي على خطوط مواصلاته سالمة مع مصر، كي يضمن وصول المؤن والمدد إليه. ... عن النسل مما جرعته من الثكل
واستطاع القائد العربي اقتحام مدينة الكرك الحصينة ومن بعدها مدينة نابلس، والاستيلاء على الكثير مما في ربوع فلسطين من مواقع وقلاع. وكان ابن سناء الملك شاعر صلاح الدين يواكب هذه الأحداث ويصف هذه الانتصارات (23) :
هل الكرك الثكلى بأولادها انتهت
وكانوا لها كالعقد لكنه وهى ... وأضحى لها جيش ابن أيوب كالغل
أتاهم كمثل الرمل ينقل خيلهم ... إلى الأفق ما فوق الطريق من الرمل
ثم يصف ما كان بعد ذلك من تهاوي ما تبقى من مدن الشام تحت ضربات جيش صلاح الدين وقذف الحصون المعادية بمجانيقه (24) : ... أقامت بهم حق الضيافة والنزل
فنابلس لما نزلت بربعها
وقد رجمتها المنجنيقات إذ رمت ... لشيخ لعين كافر جاهل رذل...