فهرس الكتاب

الصفحة 8231 من 23694

وهذا القول يشير إلى ما كان من حقيقة قوة الصليبيين ومدى استعدادهم لملاقاة العرب، ومنحى الشاعر في الوصف هو عدم التهوين من بأس العدو بل إنصافه وبيان قدرته، وهذا يعيد إلى أذهاننا ما درج عليه كثير من شعراء الحماسة عند العرب، ولا سيما ما عمد إليه عنترة في معلقته، وتأثر الشاعر هنا بالشاعر الجاهلي واضح على صعيد الألفاظ والمعاني، بصدد تصوير منازلته لخصمه العنيد، أو ما نجده في بائية بشار خلال وصفه لجيش العدو الذي كان في انتشاره كجنح الليل، وفي عدده كعدد الحصى، وفي كثرة سلاحه كغابة الشوك، أو ما كان أخيرًا من إشادة المتنبي في ميميته بجيش الروم الذي زحمت أطرافه الآفاق وبلغت زمازمه أذن الجوزاء.. ومع ذلك بدا اليوم من سير معركة حطين أن الصليبيين على قوتهم لا قبل لهم بإيقاف المد العربي وليس بوسعهم قهر العرب الذين طالما أعدوا لهذا اليوم ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل يرهبون به عدوهم. وهكذا استعر لهيب القتال، وانبرى المجاهدون العرب يذيقون أعداءهم الأهوال، فلا يغادرونهم كما يقول فتيان الشاغوري إلا بعد أن ترتوي رماحهم السمر من دماء الفرنجة الحمر. ... في إثر عفريت رجيم مدبر

وفي المقاطع التالية من القصيدة أيضًا أن أكثر ما كان يرى في زحمة الالتحام، حيث يفغر فاه الموت الزؤام، رؤية مجاهد عربي وهو ينقض كالشهاب في إثر مقاتل صليبي يركض بخفة أمامه ركض العفاريت عساه ينجو بجلده من القدر المحتوم:

فهناك لم ير غير نجم مقبل

وتنطوي بقية الأبيات أيضًا على إشارة واضحة إلى ما دونته كتب التاريخ من تفصيلات معركة حطين، وما نجم عنها من كثرة الأسر. حتى بيعت الأسيرات بأبخس الأثمان، ويذكر المؤرخون أنه بلغ من هوان أسرى الفرنج وكثرتهم أن بيع منهم يومئذ واحد بنعل (22) . ... ومن الذي من جمعهم لم يؤسر

فمن الذي من جيشهم لم يخترم

حتى لقد بيعت عقائل أرهقت ... بالسبي بالثمن الأخس الأحقر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت