فهرس الكتاب

الصفحة 8244 من 23694

يضاف إلى ذلك أن نأي شعراء هذه الحقبة المتأخرة نسبيًا عن العصور العربية الأولى وما كانت تفتقر إليه من مقومات العظمة الماضية، وعناصر المنعة السالفة، حال دون تشبعهم بالنسغ المنشود لشعرهم، إذ كان الجو الغالب عليهم قبل أن يفرض على العرب والمسلمين الواقع الجديد في إثر الاجتياح الصليبي هو الحياة برتابتها، وما كانت تنطوي عليه من ممارسة الحكام والناس للشؤون المعيشية المعتادة، وأمور عيشهم اليومي... كل ذلك يعني أن شخصية الشاعر عهدئذ لم تكن مهيأة للعنف والصدام، ولا معدة لروح المواجهة والتصدي، بل كانت أليفة أغراض المديح والرثاء وموضوعات الوصف والزهد... حتى شعر الحماسة نفسه، وهو من أوسع الأغراض في الشعر العربي عبر العهود السالفة لم يعد له قبل الغزو الصليبي حيز حقيقي في الساحة الأدبية، وقل من كان يمارسه من الشعراء لقلة مظاهر البأس وغياب الكثير من ملامح القوة لدى حكام ذلك العهد ورجاله.

وقلما كانت قصائد ذلك العصر تتجاوز السرد والنقل في إطار الوصف المعهود.

وأخيرًا، لعل من أهم أسباب عدم تألق كثير من الشعر الذي قيل في ظل الحروب الصليبية، غلبة المنحى اللفظي، وسيادة الزينة البديعية على الذوق الأدبي العام، فقد غدت عناصر السجع والجناس وغيرها من الزخارف الأسلوبية تيارًا فنيًا طاغيًا قلما برئ منه كاتب أو شاعر... وطبيعي أن هذا يعني طغيان الشكل على المضمون في الأدب ومن ثم افتقاد التعبير الفني في كثير من الأحيان لمقومات العبارة المتوثبة والصورة الحية.

وقد يكون في نهاية المطاف من أهم سمات الشعر في ذلك العهد من الوجود الصليبي في أرض العرب أن ذلك العصر لم ينجب شعراء كبارًا في مستوى الفحول المتقدمين بحيث يكونون قادرين بما أوتوا من مواهب أن يعبروا عن أحداث عصرهم الجسام وانتصاراته العظام. لقد كانت قرائحهم كليلة، لم تسعفهم على أن يرقوا في فنهم إلى مستوى تلك الأحداث المتفاقمة ومعانقة نبضها المتسارع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت