فهرس الكتاب
بقي لي أن أتوقف على أمر آخر أجده هامًا في حياة امرئ القيس ورحلته. فالتركيب الجسدي وفَّر له الاستعداد الطبيعي لعدم تحمل المرض وهو يقرّ بضعفه لأنه شيخ هرم، ويذكر هذا في سينيته السابقة
ألا أن بعد العُدمِ للمرء قنوةٌ
ولعل في تركيبه العضوي ما يقوي قبول استعداده للأمراض الجلدية فتظهر القروح أو الجرب أو تشقق الجلد كلما تقدم العمر بالمرء. ... فليس تزور إلا في الظلام
كلمة أخيرة لا بد منها لتنهي الحديث عن هذه القضية برمتها. لو عرض باحث ما لشعر امرئ القيس الموثق ومحصه لما وجد تعريضًا بالقيصر الذي أسلمه إلى الموت، ولا بالطماح الأسدي الذي احتال له عند القيصر، ولما وجد ذكرًا لابنة القيصر تلك الصبية التي فتنت الشاعر - وهو الذي لا يستطيع أن يمسك لسانه عن التغزل وذكر النساء بأسمائهن - ولما وجد أية إشارة في شعره الموثق والمنحول إلى تلك الحلة المزعومة التي أدت إلى وفاته. فهل يعقل أن يذكر الجرب (العرة) والجدري (القرح) والحمى (التي تجعله أبدًا يقظًا في ساعات الليل) ولا يذكر الحلة؟ حتمًا هذا محال.
وأنا لا أكتم أحدًا سري، فأنا أقر برحلة امرئ القيس إلى الحد الذي عولت عليه سابقًا من خلال شعره الموثق الموجود بين ظهرانينا، ولكني أنكر بشدة استخفاف السمار والقصاص والرواة بعقل الإنسان. فلما عملوا على تقوية روح القصص حول الحلة المزعومة أتموا رحلة امرئ القيس إلى بلاط القيصر وأفرحونا بقصص أخرى مختلفة عنها. وإذا كان عملهم القصصي يحظى بإعجابي لقوة الخيال الذي يحمله وإحكام الصنعة فإن تدجيلهم يثير حفيظتي عليهم؛ كما يشير شفقتي على تراثنا الأدبي العربي الذي لحقه خلط وزيادات أفقدته بهاءه الأصيل، ويبقى لك أن تحكم.
الحواشي:
(1) -محمد بن سلام: طبقات فحول الشعراء، ص 51.
(2) -المصدر السابق، ص 55، وانظر ابن قتيبة: الشعر والشعراء ج 1 ص 128.
(3) -السيوطي: المزهر ج 2 ص 479، وانظر ابن سلام: طبقات فحول الشعراء ص55.