فهرس الكتاب
لقد أرعبت الحمى امرأ القيس كما أرعبت المتنبي الذي أبدع في وصفها وإن سبقه شاعرنا إلى طرق موضوعها (46) . ثم يذكرنا بماضي شبابه متأسيًا عليه وقد كانت الكواعب الحسان ترعوي إليه. ويعود مرة أخرى إلى عرض مرضه، إذ ضاقت ذراعه ذرعًا باللباس فلم يطقه؛ وقد غزت القروح جسمه. ودب الخوف في أوصاله، وأيقن أنه سيدرج في أكفانه تندبه الحسان، فصرخ متألمًا ومتمنيًا لو نفق مرة واحدة وانتهت آلامه: ... تضيق ذراعي أن أقوم فألبسا
وما خفت تبريح الحياة كما أرى
فلو أنها نفس تموت جميعةً ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
ترافقت الحمى مع الجدري والجرب وتبدلت صحته سقمًا، وصار وجهه الوسيم دميمًا، وآلت سعادته إلى شقاء وقد تحول الموت عنده إلى بؤس حقيقي: ... لعل منايانا تحولن أَبؤسا
وبُدلت قرحًا داميًا بعد صحة
ويروي السكري قطعة شعرية يتضح منها الأمراض المختلفة التي داهمت الشاعر. ... تقادم في سالف الأحرسِ
فالجدري صيّره مقروحًا فتخاله يلبس جبة منها، بل أنه يهرش جلده كالمعرور؛ وكأنه نكب بالنقرس؛ وبدا القرح منقوشًا في جسمه كنقش الخواتم (47) :
لمن طلل داثر آيُهُ
فاما تريني بي عُرَّةٌ ... كأني نكيبٌ من النقرسِ
وصيَّرني القرح في جبَّةٍ ... تخالُ لبيسًا ولم تُلبسِ
ترى أثر القرح في جلده ... كنقش الخواتم في الجِرجسِ
وذكر محقق الديوان في أعلى المقطوعة أنه قالها بأنقرة يذكر علته. وأكثر من تعرض لتحديد وفاته ذكروا أنه مات بالجدري ولكنهم جعلوه في أثناء عودته (48) . ... وبعد المشيب طول عمرٍ وملبسا
تفاقم الأمر على الشاعر المبدع وقد نكبه الدهر مرتين؛ مرة حين ألبسه داء الجدري جبة من القروح وأثقله بالحمى والجرب؛ ومرة أخرى حين اتهمه القصاص والسمار بأنه توفي بسبب الحلة المسمومة لأنه بقي على عهره وتهتكه. ونسوا أنه آلى على نفسه ألا يدهن وألا يشرب خمرًا أو يغتسل.. حتى يدرك ثأره (49) .