فهرس الكتاب

الصفحة 8391 من 23694

وأراني أعرض هنا للحلة المسمومة التي ادعى أصحابها أنها كانت سببًا في وفاة الشاعر -ولعل الذي يبطل هذه الخرافة ما حققناه من الرحلة سابقًا، وما بين أيدينا من شعره الموثق، وقد يكون جابر بن حني التغلبي من نقل إلينا أخبار الشاعر وشعره (42) . فكيف يستقيم له أن ينقل شعره صادقًا ويخفي عنا أخباره عند القيصر وأخبار الحلة المسمومة؟

ونستفيد من الخبر الموجود في الكتاب الرومي القديم أن ذلك الرجل مات بالجدري.

وهذا حق لا يمارى فيه، لأن امرأ القيس يقرّ بمرضه الذي جعله ينتقل على قرٍّ صنعه له جابر بن حني التغلبي،"وجابر هذا من بني تغلب، وكان هو وعمرو بن قميئة يحملانه" (43) . قال الشاعر (44) :

فسحَّت دموعي في الرداء كأنها

إذا المرء لم يخزُن عليه لسانه ... فليس على شيءٍ سواه بخزَّانِ

فاما تريني في رحالة جابرٍ ... على حرجٍ كالقرِّ تخفق أكفاني

تأمل هذا اليأس الذي يطوي نفس الشاعر؛ فثيابه غدت أكفانًا له وقد أشبه الأموات؛ صار يسحُّ دمعه تهتانًا دون أن ينبس ببنت شفة حرصًا على كرامته؛ وهو الذي ملأ الدنيا شعرًا، وفرَّج كرب المكروبين: ... وعانٍ فككتُ الغلَّ عنه ففدَّاني

فيا رُبٍّ مكروبٍ كررتُ وراءه

ويشير إلى سبب وفاته في سينيته التي رواها الأصمعي. ويعرض فيها لوصف الحمى التي تدهمه ليلًا فتؤرقه فلا يغمض له جفن كأنه أصيب بالنقرس وهذا الداء قديم طالما عاوده سابقًا، فإذا تنفس الصبح انكب على وجهه ملازمًا النوم، على حين إذا عسعس الليل تفرغ لهمومه؛ وما آل إليه من حال سيئة (45) : ... وجدت مقيلًا عندهم ومعرَّسا

فلو أن أهل الدار فيها كعهدنا

فلا تنكروني أنني أنا ذاكم ... ليالي حلَّ غولًا فألعسا

فاما تريني لا أغمض ساعة ... من الليل إلا أن أكبَّ فأنعسا

تأوبني دائي القديم فغلَّسا ... أحاذرُ أن يرتدَّ دائي فأنكسا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت