فهرس الكتاب

الصفحة 8390 من 23694

"لم تشر الأخبار عن سفره إلى القسطنطينية وعن كيفية وصوله إلى قيصر، ويظهر من شعره على كل حال أنه سلك طريق الشام، وأنه مرَّ بحوران وبعلبك وحمص وحماة وشيزر. أما بعد ذلك إلى عاصمة الروم فلا نعرف عنه شيئًا" (39) . ويبدو أن بعض الباحثين لم يرق له إلا إيصال شاعرنا إلى القيصر ليمده بالعون. ويظهر هذا الباحث نزعة مقيتة كان القربان لها امرأ القيس (40) . ويمكنني الآن عرض خبر يؤدي أهدافًا عظمى للحقيقة المجردة. فتواريخ الروم تذكر أيضًا أن رجلًا أصيب بالجدري فمات بسببه وتنص هذه المرة على اسمه بامرئ القيس"وذكر في كتاب قديم مخطوط أن ملك قسطنطينية لما بلغه وفاة امرئ القيس أمر أن ينحت له تمثال وينصب على ضريحه ففعلوا. وكان تمثال امرئ القيس هناك إلى أيام المأمون. وقد شاهده الخليفة عند مروره هناك لما دخل بلاد الروم ليغزو الصائفة" (41) .

يضعنا هذا الخبر أمام أسئلة هامة منها: هل يعقل آن ينحت ملك تمثالًا لرجل أحب ابنته وطارحها الغرام؟ أو هل يكون منطقيًا أن يُنحت تمثال لامرئ القيس؛ وكان الملك نفسه قد بعث إليه بالحلة المسمومة ليقتله ويتخلص منه؟ بينما يشير الخبر بوضوح إلى إقامة صرح فوق ضريح امرئ القيس. وهذا يدل على احترام القيصر للرجل القادم إليه، كما ينفي مقدرة الطماح على إيذاء امرئ القيس مهما حاول لديه. ويشير الخبر بدقة إلى وفاته قبل أن يدرك القسطنطينية؛ فقد بلغته وفادة الأمير العربي، ومن ثم وفاته بعد ذلك. وكأن الملك يأمل طمعًا في خطب ود حليف جديد من العرب مع الغساسنة.

ولو لم يكن هذا يجمع بين الطرفين لما صنع التمثال أبدًا، فالتمثال رمز لتقدير الشاعر الأمير واعتراف من الملك بمكانته في القبائل العربية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت