بعد أن اجتزنا"جسر الغجر"توجهنا شرقًا نحو حوض مائي بيضوي الشكل تحيط به الأدغال وأشجار الصبار، والنباتات ذات الأغصان الغضة العالية. يتغذى هذا الحوض الطبيعي من نبع"فوَّار"يمكن مشاهدة جيشانه ومياهه الصافية الباردة في أقصى الحافة الشرقية، كما يلاحظ فيه كثرة السلاحف التي تتجمع فوق الصخور المنتشرة هنا وهناك، والتي أخذت تقفز في الماء وتلوذ بالفرار عند اقترابنا منها. ويشرف على الجانب الشرقي للحوض هضبة صغيرة لا يزيد ارتفاع عن [12] مترًا تُسمى"تل القاضي"ينبع منها"نهر اللدَّان" (أو ما يسمى بنهر دان الذي يتردد اسمه في التوراة) . ويخترق الدغل الكثيف"مسلك" (أو درب) (1) يؤدي إلى ذروة الهضبة المذكورة وهي عبارة عن فوهة بركانية مخروطية الشكل طولها [320] مترًا وعرضها [250] مترًا؛ تكسوها أدغال أشجار السنديان والتين البري والبُطم والعوسج والورود الرائعة والأشواك المختلفة الكثيفة مما يجعلها صعبة الاختراق. ويتفجر من سفح هذه الهضبة نبع قوي بالقرب من"مقام" (2) أحد الأئمة المسلمين الذي تظلله شجرتان هائلتان من أضخم الأشجار التي شاهدتها في حياتي. وإحدى هاتين الشجرتين من السنديان، والثانية من البطم، وقد احتمينا في ظلالهما من أشعة الشمس المحرقة وأخذنا تحتهما قسطًا من الراحة وفي الجانب الغربي من الحوض، تنساب ساقية غزيرة (يبلغ عرضها عشرة أمتار وعمقها قدمان) وسط دغل هائل من أشجار الزعرور وبين الصخور البازلتية اللامعة، وتنضم مياه هذه الساقية الصافية إلى النبع المتفجر في أسفل الهضبة وتشكل معه ما يسمى"بنهر اللدان"-أحد روافد"نهر الأردن- وفي رأي السكان العرب المحليين أن هذا النبع هو المصدر الحقيقي لنهر الأردن لأنه يمدُّه بما يعادل ثلاثة أمثال المياه التي تأتيه من"نهر الحاصباني"وضعف المياه التي تأتيه من"نهر بانياس"الذي يرفده في نقطة تبعد مسافة كيلو متر واحد إلى الجنوب من تل القاضي."