وفي الساعة الخامسة من صباح اليوم التالي بدأنا بصعود السفح يرافقنا أحد الأدلاء، فاجتزنا العديد من الوديان الصغيرة الغنية بالنباتات المختلفة التي تتعانق بشكل جميل، وكانت المياه النقية الباردة تنساب في كل النواحي وتشكل أكثر من ألف ساقية صغيرة، بل وتشكل أحيانًا بحيرات صغيرة لازوردية اللون تعكس بروعة زرقة السماء وظلال الأشجار القائمة على جوابنها. وعلى ارتفاع ألفي متر عن سطح البحر أخذنا نشعر بالبرد الشديد، وأصبحنا نلاحظ وجود نباتات مشابهة لتلك المعروفة في جبال الألب، وكانت الأرض شديدة التعرج بسبب الحمم البركانية المتراكمة والصخور البازلتية الضخمة التي تبرز من خلال الطبقات الحرارية الجوراسية، أما المراعي في هذه السفوح فكانت شديدة الخصوبة ولكنها وعرة.
يبلغ ارتفاع قمة جبل الشيخ (2900) متر، وهي مشطورة إلى شطرين بفتحة بركانية، وإحدى هاتين الذروتين تحمل بقايا معبد دائري الشكل يطلق عليه السكان المحليون اسم"قصر عنتر"، وهو مهدم تمامًا ويرجح بأنه بقايا معبد لتكريس عبادة الإله"بعل"حرمون أو إله الجبل الذي كان يعبده سكان سورية القدماء والفينيقيون.
وفي أسفل القمة على مسافة عدة أمتار توجد مغارة محفورة في الصخور يمكن استخدامها للراحة أو للتنسك عندما يضطر المرء لقضاء الليل فوق هذا المرتفع: ونحن لا ننصح بالقيام بمثل هذه المغامرة إلا بكثير من الحذر لأن"الدببة"موجودة بكثرة في هذه المناطق الموحشة (23) ، وكثيرًا ما يُعثر عليها في المغاور حيث تلجأ إليها عندما يشتد البرد في فصل الشتاء. وقد شاهدنا بعض الحشرات فوق بقع الثلج من الأنواع التي تتغذى بها الطيول كالبليق والبوم والقُبَّرات، وهي الوحيدة التي تعيش في هذه الصحراء المتجمدة؛ كما توجد بعض النباتات الرشيقة كاللولبيات ذات الزهر الأصفر، والتوليب ذي الوردة البنفسجية الذي ينمو بكثرة بين صفائح الثلج.