فهرس الكتاب
وجَزور أيسار دعوتُ لحتفها
أدعو بهن لعاقر أو مُطفل ... بُذلت لجيران الجميع لحامها
فالضيف والجار الغريب كأنما ... هبطا تَبَالة مخصبًا أهضامها
يفخر الشاعر لبيد هنا بالمقامرة ولعب الميسر على الطريقة الجاهلية، وسر الفخر في ذلك هو أن اللحم الذي يفوز به الياسر يبذل للفقراء والمحتاجين من الناس ولأبناء السبيل، مثل الضيف والجار الغريب، فيطهى هذا اللحم في مكانه ليأكل منه الجميع، وعارٌ عظيم على الياسر أن يأخذ هذا اللحم لنفسه ويحمله إلى منزله. وهذا ضرب من جود أهل الجاهلية يفخرون به كما رأينا لاسيما في أوقات الشدة والضيق أيام الشتاء، أو في سنوات الجدب. ... وكان لكل ذي حسب أُروم
وقد يأتي التعبير الشعري عن قضية الجوع في المجتمع الجاهلي بصورة أخرى، في غرض آخر من أغراض الشعر كالمدح مثلًا، ذلك أن الشعراء يلاحظون فضل الأجواد الذين يسارعون إلى نجدة الناس في الأزمات، ويدفعون عنهم غائلة الجوع فيعجبهم هذا الفعل الجميل، ويثير وجدانهم فينهضون إلى مدح هؤلاء الأجواد للتعبير عن هذا الإعجاب. ويتصف المدح في مثل هذه الحال بالصدق وحرارة الإعجاب حين يجود الممدوح بأمواله على الفقراء المحرومين، فيشفي جراحهم التي حفرتها آلام الجوع والحرمان أيام الشدة والضيق، أو يمد يد العون والمساعدة للأرامل والأيتام الذين يفقدون آباءهم ورجالهم في الغارات والحروب الدائمة، مثلما نرى في مدائح الشاعر زهير للسيد الجواد هرم بن سنان المري، في مثل قوله من قصيدة له (6) :
له في الذاهبين أُروم صدق
وعود قومه هرم عليه ... ومن عاداته الخلق الكريم
كما قد كان عوَّدهم أبوه ... إذا أزمت بهم سنة أزوم
عظيمة مغرم أن يحملوها ... تُهمّ الناس أو أمر عظيم
كذلك خِيمهم ولكل قوم ... إذا مسَّتهم الضراء خِيم