فهرس الكتاب
في هذه الأبيات يبدو الشاعر زهير معجبًا بالرجل الجواد هرم بن سنان، مندفعًا في مدحه ومدح قومه لنجدتهم الناس المحتاجين في السنة الأزوم، وهي سنة الجدب والجوع. وأخبار الجاهلية والروايات التي نجدها في كتب الشعر واللغة القديمة تثبت صدق زهير في إعجابه وتقديره لهذه الشخصية الإنسانية، إذ تذكر هذه الأخبار والروايات جود هرم وأهله وكرمهم حتى ضُرب به المثل في الجود، فقيل: أجواد العرب ثلاثة: حاتم طيء، وهرم بن سنان، وكعب بن مامة الإيادي. ومدلول هذا المثل بيِّن، وهو أن تقدير هذا الرجل الجواد قد تغلغل في ضمير الجاهليين، فضربوا به المثل تعبيرًا عن تقديرهم لموقفه النبيل وكفاءته الإنسانية في نفع مجتمعه، ورد كارثة الجوع عن أهله. وكل هذه الصور الشعرية التي رأيناها في الفخر في أبيات طرفة وفي أبيات لبيد، وفي المدح في أبيات زهير تبدو صورًا قوية معبرة مؤثرة، وهي تحقق بقوة التعبير والتأثير الفني الهدف الذي قصده هؤلاء الشعراء، وتصل بنا إلى الغاية الجمالية التي أرادوا الوصول إليها، وهي التأثير في نفس الإنسان الجاهلي، كل إنسان والأخذ بيده نتيجة هذا التأثير في طريق الخير إلى الأفضل والأجمل. فهذا الفخر في أبيات طرفة ولبيد ليس الغاية منه التعاظم والتعاطي، وهذا المدح في أبيات زهير ليس الغاية منه تعظيم إنسان موسر، أو تقديس سيد كريم. فهذه غاية قريبة لا تعني شيئًا ولا تعني كثيرًا في مجال الفن الأصيل، بل تغيب وتنسى تمامًا عند انقضاء الحاجة الداعية لها والظروف الملابسة. أما الغاية البعيدة على المدى البعيد، فهي اهتمام شعراء الجاهلية بمشكلة من مشكلات الإنسان الجاهلي والتعبير عنها وإثارة عواطف الناس وتنبيه أذهانهم إلى المشكلة في نتيجة هذه الآثار. والمقصود من ذلك هو تلمس السبيل للوصول إلى حل لها حسب طريقتهم الخاصة في بيئتهم الخاصة وفي المرحلة التاريخية الخاصة التي كانوا يعيشون فيها.