فهرس الكتاب

الصفحة 8547 من 23694

فالبيئة الجاهلية ليست بيئة قوانين وأنظمة مسنونة نتيجة تطور حضاري فكري، وإنما هي بيئة أعراف وتقاليد أثبتتها الأيام والتجارب في هذه البيئة البدوية، فما هذا الفخر، وما هذا المدح في الشواهد التي عرضناها من الشعر إلا دعوة للإنسان الجاهلي للعطاء والجود بما يملك في الأزمات. وهذا الجود ما هو إلا نوع من أنواع التعاون، أو طريقة خاصة اهتدى إليها الجاهليون بالتجربة الطويلة للخلاص من كارثة الجوع في بيئة البادية الشحيحة بالخير، إنه اقتراح لحل هذه الأزمة بحسب تفكيرهم وطريقتهم، أو لتخفيف أثرها السيئ في مجتمعهم. وقد نزيد ونذهب أبعد من ذلك ونقول: إن فخر طرفة ولبيد ومدح زهير وأشعار غيرهم من شعراء الجاهلية في هذا الموضوع ما هي إلا مشاركة شعرية، وبتعبير آخر أعم، نقول: إنها مشاركة فنية في إيجاد حل لأزمة الجوع في البيئة الجاهلية، إنها في آخر الأمر صيحة أزلية لكل إنسان في كل زمان لفعل الخير بطريقة أو بأخرى وتحقيق السعادة لبني الإنسان والتخفيف من الألم في الحياة، وهذا هو السعي للأفضل والأجمل، وتلك هي الغاية البعيدة التي تسعى العلوم والفنون الجميلة سعيًا حثيثًا لبلوغها، وهي سعادة الإنسان في الأرض. وقديمًا قال الشاعر الجاهلي عبد قيس بن خُفاف، وهو يوصي ابنه جبيلًا بلزوم خصال الخير في قصيدة له (7) : ... أمران فاعْمِدْ للأعفّ الأجمل

وإذا تشاجر في فؤادك مرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت