فهرس الكتاب

الصفحة 8548 من 23694

4-وعلى هذه الطريقة في البحث والنظر في أعماق الشعر الجاهلي يمكن لنا أن ننظر في قضية أخرى من قضايا المجتمع الجاهلي، هي قضية الحرب والسلم، واستقراء قصائد الشعر الجاهلي تثبت لنا مدى اهتمام شعراء الجاهلية بهذه القضية حسب عادتهم في الاهتمام بقضاياهم. فلقد اضطر الجاهليون إلى الحرب كثيرًا للدفاع عن حرية الإنسان وحقه في الحياة، وحفاظًا على موارد العيش من الأموال (الإبل) والمياه والمراعي، وخاضوا في سبيل ذلك حروبًا طويلة جرَّت عليهم الآلام والنكبات، وكان للشعراء فيها أثر بارز وظاهر، وهو قصائد عديدة طويلة في تصوير الحرب والغارات، والتغني بالشجاعة والانتصار وتمجيد قوة الأبطال والفرسان. والحرب كريهة ذميمة فيها هلاك الإنسان ودمار حياته، فلذلك كرهها الجاهليون ونفروا منها، ولم يسرعوا فيها إلا مضطرين مكرهين. ونهض بعض شعراءهم يعبرون عن هذا الشعور في قصائدهم بذم الحرب والتنفير من أهوالها ودعوة الناس إلى السكينة والسلام ومدح دعاة السلام والإشادة بفعلهم وتعظيم شأنهم. وكما استعان الجاهليون بوسيلة الجود لمعالجة أزمة الجوع، اهتدوا كذلك إلى وسيلة جميلة استعانوا بها للإصلاح بين الناس وإقرار السلم فابتدعوا (الدية، والحَمَالة) ، فالدية: هي تعويض أهل القتيل أو الجريح بعدد من الإبل تسوقها لهم أسرة القاتل أو قبيلته، وهي بادرة للتفاهم، وخطوة أولى في سبيل الصلح. والحمالة: هي أن يتحمل سيد من السادات ديات القتلى وفداء الأسرى في حرب من الحروب يعينه في ذلك رهطه أو قومه ومن يستعينون به من أجواد الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت