فهرس الكتاب
يقول الشاعر: إن هذين الرجلين العظيمين أدركا السلم بالحال والمعروف فمحيت الجراحات (آلام الحرب) بالمئين من الإبل، أي سقطت دماء القتلى بالديات، وقد تحملها هذان الرجلان كرمًا وحبًا بالسلام من غير أن يأتيا بجرم، أو يشاركا في إراقة الدم في الحرب، وهذه هي مكرمة الحمالة التي أشرنا إليها، والتي ابتدعها الجاهليون لتفادي الحرب. وهذه عملية إقرار السلام. وقد اهتدى الجاهليون إلى هذه الأعراف والتقاليد بالتجربة والممارسة الطويلة في الحياة، وفيها نفع وخير كثير للمجتمع، لأنها كانت بالقياس إلى الجاهليين كالقوانين التي تسنها الدولة لتنظيم المجتمع وحمايته في البلاد التي يسود فيها السلطان والنظام. وقد اعتبر الجاهليون هذا التعاون بين الناس في الأزمات وإسهام الموسرين منهم في غوث الفقراء والمشاركة في نشر الأمن والسلام وغيرها من الأعراف الجميلة، اعتبر الجاهليون كل هذا حقًا لازمًا لابد من الوفاء به كالقانون الذي يلزم الجميع قبوله وتنفيذه، واستعملوا في الدلالة عليه والتعبير عنه كلمة الحق. فمن قبل الحق وسعى في الخير نال جزاء سعيه مدحًا وثناء وفخرًا، وهذا نوع من مكافأة المحسن على إحسانه، وهو تقدير اجتماعي. ومن أبى وزاغ عن الحق لزمه الذم والهجاء، وهذا نوع من معاقبة المسيء على إساءته، وهو إكراه وقسر اجتماعي. وقد عبر الشعراء حسب عادتهم عن هذا الموقف والمعاني في قصائدهم في الأعراض المختلفة، واستعملوا في التعبير كلمة الحق، وهو استعمال له دلالة خاصة. من شواهد ذلك قول ربيعة بن مقروم الضبي في مفضلية له في الفخر بقومه (9) : ... بقولي فاسأل بقومي عليما
وقومي فإن أنت كذبتني
أليسوا الذين إذا أزمة ... ألحت على الناس تنسي الحلوما
يهينون في الحق أموالهم ... إذا اللزبات التحين المسيما