فهرس الكتاب

الصفحة 8553 من 23694

يعبر الشاعر في هذه الأبيات عن شجوه لفراق أخيه طوال الدهر بعد أن خطفه الموت في ريعان الشباب كغصن الأراك الرطيب، ويصوغ الشاعر تعبيره في تساؤل حائر لهيف ينم عن الحسرة واللهفة وهو يتفجع خاصة على فضائل أخيه وشمائله الحسنة التي طواها الموت. هذا هو المعنى في الأبيات، لكننا نلمح وراء هذا المعنى الحزين شيئًا إنسانيًا آخر أكبر وأعمق، وهو الاهتمام بالأخلاق ومعالجة نزوات النفس، فالشاعر يبكي في أخيه ضياع الفضائل والكفاءات الإنسانية، يبكي فيه نهضته لإغاثة الملهوف في الملمات التي تنزل به في الحياة، ويبكي فيه تبسمه وكظمه للغيظ في ساعة الغضب، وكل ذلك من مكارم الأخلاق، وكأن الشاعر في رثائه يحبب إلى الناس هذه الأخلاق ويغريهم بها في تفجعه على ضياعها، كما جاء في الكتاب العزيز (13) :"الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين".

والشاعر الجاهلي يبلغ بذلك غاية فنية هي تهذيب النفس وإصلاحها، وتلك هي الغاية المقصودة في التربية والثقافة. نرى الشاعر الجاهلي يدعو إليها أهل مجتمعه في أحسن صورة شعرية. ومعظم المراثي الجاهلية تدور على هذه الغاية، بمعنى أنها تأسف وتفجع على ضياع الفضائل والكفاءات الإنسانية بموت أكفاء الرجال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت