فهرس الكتاب
ويتهم مندور (1) الأدب العربي القديم بأنه"أدب جزئيات وحدتها البيت لا الفكرة ولا الأسطورة ولا الموقعة التاريخية"، وعلى الرغم من أننا نوافقه على هذا الحكم بوجه عام فإننا إذا نظرنا مليًَّا في الأسباب التي أدت إلى استمرار وحدة البيت -والنقد التجزيئي أحدها وأهمها- أدركنا سرعة هذا الحكم؛ فمندور، هنا، يفسّر ما هو موجود، وهو طبيعة الأدب القديم، ولكنه ينسى الأسباب التي أدت إلى استمرار ثبات هذه الطبيعة في العصر الذهبي للقصيدة العربية. صحيح أن النقد ظلّ، منذ العصر الجاهلي حتى نهاية العصر الأموي، فطريًا تجزيئيًا تابعًا للشعر غير أنه تقدم في العصر العباسي وتشعّب، وأصبح للنقاد مواقف وآراء ونظريات، ولم يبق الناقد ذلك المتذوق الذي يحكم على الشعر وفق أهوائه ومعتقداته، وإنما وضعت المقاييس وغدا الناقد مثقفًا في عصر العلم والترجمة، وقد كان في مقدور هؤلاء النقاد أن يستفيوا من ثقافتهم ومن قفزة الشعر العباسي ويخرجوا من تبعية الشعر إلى قيادته ومن تفسيره إلى تحليله وبيان مواطن الإبداع فيه ومن ماضيه إلى مستقبله، ولكن معظمهم لم يفعل ذلك وإنما حاول قياس الشعر العباسي المحدث على الشعر الجاهلي، وعدّوا المقاييس معيارًا في الحكم على جودة الشعر أو رداءته.