فهرس الكتاب
ويبدو أن ابن قتيبة (ت 226هـ) هو أول من حدد منهج القصيدة العربية المدحية في مقدمة كتابه"الشعر والشعراء"، فاستخرج من الأنماط المتبعة في مدائح الجاهليين قانونًا عامًا ينبغي أن يخضع له الشعراء بدوًا كانوا أم حضرًا، فقد قال:"وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فبكى وشكى، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق، ليجعل ذلك سببًا لذكر أهلها الظاعنين عنها... ثم وصل ذلك بالنسيب... ليميل نحوه القلوب... فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه، والاستمتاع له، عقّب بإيجاب الحقوق، فرحل في شعره، وشكا النّصب والسهر، وسُرى الليل، وحرّ الهجير، وإنضاء الراحلة والبعير. فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حقَّ الرجاء.... بدأ في المديح، فبعثه على المكافأة، وهزّه للسماح، وفضّله على الأشباه" (2) .
ويجزم ابن قتيبة بأن الشاعر المجيد من التزم هذه الأساليب، ولم يحد عنها، فقال (3) :"وليس لمتأخر الشعراء أن يخرج عن مذهب المتقدمين في هذه الأقسام، فيقف على منزل عامر، أو يبكي عند مشيد البنيان، لأن المتقدمين وقفوا على المنزل الداثر، والرسم العافي، أو يرحل على حمار أو بغل ويصفهما، لأن المتقدمين رحلوا على الناقة والبعير. أو يرد على المياه العذاب الجواري، لأن المتقدمين وردوا على الأواجن الطوامي. أو يقطع إلى الممدوح منابت النرجس والآس والورد، لأن المتقدمين جروا على قطع منابت الشيح والحنوة والعرارة".