فهرس الكتاب

الصفحة 8565 من 23694

ولكن لابن قتيبة في كتابه المذكور ومضات تجديدية هنا وهناك تضيء القصيدة المحدثة وتطمح إلى التجديد، فقد أنصف المحدثين بمنهجه، فقال (4) :"ولم أسلك، فيما ذكرته من شعر كل شاعر مختارًا له، سبيل من قلّد أو استحسن باستحسان غيره. ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلالة لتقدمه، وإلى المتأخر منهم بعين الاحتقار لتأخره. بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلاًّ حظه، ووفرت عليه حقه. فإني رأيت من علمائنا من يستجيد الشعر السخيف لتقدم قائله، ويضعه في متخيره، ويُرذل الشعر الرصين، ولا عيب له عنده إلا أنه قيل في زمانه. أو أنه رأى قائله".

يوضح هذا النص عدة أمور، أولها أنه يصف ماهو عليه النقد في ذلك الزمان، فقد كان النقاد وبخاصة أصحاب الاختيارات لا يختارون من أشعار معاصريهم وإن كانت أشعارهم جيدة، والعيب الوحيد فيها أن أصحابها جاؤوا متأخرين، وقد نسي هؤلاء النقاد أنهم أيضًا جاؤوا متأخرين عن السابقين، ويتعلق الأمر الثاني ببعض النقاد الذين يتحيزون لهذا الشاعر أو ذاك أو لهذه القبيلة أو تلك وهذا واضح من قوله"نظرت بعين العدل"، وذلك لأن اللون الأسود يستدعي اللون الأبيض، وبضدها تُعرف الأشياء، والأمر الثالث هو أنه خالف معاصريه من النقاد واختار شعرًا محدثًا وأنصف في منهجه وكتابه المحدثين، وهذا ما يوضحه قوله (5) :"فكل من آتى بحسنٍ من قوله أو فعل ذكرناه له، وأثنينا به عليه، ولم يضعه عندنا تأخر قائله أو فاعله، ولا حداثة سنّه. كما أن الرديء إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت