فهرس الكتاب
ويردّ الدكتور فهد عكام هذا التعارض الظاهري في منهج ابن قتيبة إلى أنه"ينقل إلينا نظرة كانت شائعة لعهده في أوساط العلماء" (6) ، ولا يراد بهذا المنهج البدوي"كل شاعر كان يصنع الشعر قصائد، بل الشاعر القديم الذي كان يصنع القصيدة المدحية" (7) ، وهو يرفض بذلك التقليد الأعمى وما يهمه"ليس هو المضمون مدنيًا أو بدويًا، بل طريقة التعبير، أو بالحري شكل المضمون، فهذا الشكل لابد له من أن ينظم تنظيمًا جديدًا ليؤثر تأثيرًا ناجعًا في المتلقي، وليدرك بالتالي الهدف الذي اختاره المبدع عن وعي" (8) .
ويعد المرزوقي (ت 421هـ) أفضل من حدد مفهوم عمود الشعر العربي القديم وأحاط بوجوهه جميعها، وذلك في مقدمته لشرح"ديوان الحماسة"، مستخلصًا من أشعار القدماء معياره التالي:"إنهم كانوا يحاولون شرف المعنى وصحته، وجزالة اللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف -ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كثرت سوائر الأمثال، وشوارد الأبيات- والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخيُّر من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار منه للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائهما للقافية حتى لا منافرة بينهما -فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر، ولكل باب منها معيار" (9) .
ثم يشرح هذه المعايير السبعة واحدًا فواحدًا ليدعو الشعراء، بعد ذلك، إلى التزامها وعدم الخروج عليها قائلًا (10) :"فهذه الخصال عمود الشعر عند العرب، فمن لزمها بحقها وبنى شعره عليها، فهو عندهم المفلق المعظّم، والمحسن المقدّم، ومن لم يجمعها كلها فبقدر سهمته منها يكون نصيبه من التقدم والإحسان، وهذا إجماع مأخوذ به ومتبع نهجه حتى الآن".