فهرس الكتاب

الصفحة 8574 من 23694

كذلك لا يتحمل الحفظ تبعة وحدة البيت (42) ؛ فهو دليل الثقافة والاطلاع عند الشاعر، والشاعر الذي يحفظ ويتأمل ويتمثل ما يحفظه ثم يبدع شبيه بحبة الحنطة التي استفادت من العناصر الطبيعية المحيطة بها من تراب وماء وهواء وضوء فاستطاعت أن تنتج سنبلة، والذي لاشك فيه أن التأثر أو التلاقح، من خلال الاهتمام بالتراث العربي والتراث الإنساني شرط من شروط الإبداع، فالشاعر يقرأ ويحفظ ويهضم ويصهر في لاشعوره ثم ينتج إبداعًا جديدًا، ولذلك لا يتحمل الحفظ تبعة وحدة البيت، أما إذا كان الشاعر بلا موهبة فإنه لا يخلق سوى كائنات مشوهة، فهذا المتنبي يطلع على حكم أرسطو ويتمثلها ويهضمها فإذا طالعنا في شعره الحكمي فإننا نجد شخصية المتنبي وروحه وسماته لا حكم أرسطو وتجاربه وعصره.

ولابد، قبل أن نختم هذه الدراسة، من أن نذكر أن الجاحظ قد لاحظ سمة التجزيئية على نقدنا، فقال (43) :"لم أرَ غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا ككل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج"، وهو يعترف بأنه جلس إلى الكثيرين من رواة البغداديين فما وجد"أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده" (44) .

وهكذا قد كان للعناية بالجزئيات والدقائق وردها إلى أصولها القديمة دور في صرف النقاد عن النظر في القضايا الأدبية نظرة شاملة، وإذا غفرنا للنقاد الجاهليين والإسلاميين نظراتهم التجزيئية فإننا لا نستطيع أن نفعل ذلك مع النقاد في العصر العباسي، فقد اطلعوا على الثقافات الأخرى وعاصروا كبار الشعراء من أمثال بشار وأبي نواس وأبي تمام والمتنبي والمعري وغيرهم، ولا نستطيع إلا أن نعترف بأن الحركة الشعرية كانت، في ذلك العصر، متقدمة على الحركة النقدية التي كانت، في أغلب الأحيان، تتجه نحو الماضي مفصولة عن حضارتها وحاضرها باستثناء بعض التجارب النقدية وبخاصة في"عيار الشعر"و"منهاج الأدباء:."

هوامش الدراسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت