فهرس الكتاب
ولم تعمر فترة (البناء) هذه طويلًا، حتى وقعت أحداث طارئة حولت الحركة الإسلامية عن اتجاهها الأول، وخلقت أوضاعًا فكرية واجتماعية (جديدة) كان لها الأثر الحاسم في قيام الفلسفة العربية -الإسلامية في العصر الوسيط. وهي الأحداث التي تمثلت في الصراع الأموي- العلوي والتي اصطلح بعض المؤرخين على تسميتها بـ"الفتنة الكبرى". وتعود الجذور الأولى لهذه الفتنة -في رأيي- إلى يوم فتح مكة، حيث حقق الإسلام نصرًا مشهودًا على الأرستقراطية القرشية التي جلس على عرشها آنذاك بنو عبد شمس وأحلافهم. ولئن كان هذا النصر موجبًا لاستسلام هذه الأرستقراطية، فهو لا يوجب الأطروحة القائلة بإسلام كافة عناصرها واقتناعهم بعقيدة القرآن. لأنه يصعب علينا أن نتصور انسلاخ كافة مشركي قريش عن معتقداتهم دفعة واحدة وإقبالهم جماعيًا على اعتناق الدين الإسلامي، وهو الدين الذي حاربوه قرابة العشرين عامًا!! ومن هنا أفترض أن شقًا لا يستهان به من هؤلاء"الطلقاء" (7) قد ركب التيار الإسلامي في محاولة لاحتضانه وتطويعه لخدمة مصالحهم المطاح بها.. وأفترض أيضًا أن هذا الشق كان قد لازم -بوعي طبقي- سياسة الانتظار والترقب طوال عهدي الخليفتين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب، إلا أنه اغتنم فرصة ارتقاء عثمان -الخليفة الأموي الأصل- إلى كرسي الحكم ليتسرب- بقيادة الأمويين- إلى أخطر المراكز القيادية في الدولة الإسلامية الفتية (8) وليستعد بعد ذلك للاستيلاء على السلطة. بيد أن القوى الإسلامية (المتجذرة) والملتفة حول الإمام علي بن أبي طالب تصدت لهذا الشق في أواخر عهد عثمان وحاولت -عبثًا- تقويم (انحرافاته) .. مما أوجب النزاع المسلح بين الفريقين وقيام"الفتنة الكبرى". وهي الفتنة التي ابتدأت بمقتل الخليفة الثالث (عثمان) واحتدت بموقعتي"الجمل"و"صفين"وانتهت بانتصار الشق المذكور -لأسباب يطول شرحها- وقيام النظام الأموي..
نشأة علم الكلام: