فهرس الكتاب
(أ) أما قضية"الخلافة"أو المشكلة السياسية، فقد واجهها المسلمون لأول مرة عند وفاة الرسول.. حين قام جدل سياسي بين المهاجرين الذين أرادوا أن يكون الخليفة منهم وبين الأنصار الذين أرادوا الاستئثار بشرف الخلافة.. وحين قام جدل داخلي بين المهاجرين أنفسهم: بين مؤيدين لترشيح الإمام علي للخلافة وبين رافضين لاعتماد القرابة الدموية -إزاء البيت النبوي- مبدأ للخلافة (10) . ولقد حسم عمر بن الخطاب الموقف آنذاك باقتراح أبي بكر الصديق خليفة على المسلمين (11) . بيد أن قضية الخلافة عادت لتطرح نفسها من جديد وبشكل أكثر حدة إبان"الفتنة الكبرى". حيث برزت عدة مواقف سياسية يدعي كل منها الانفراد بالصفة الإسلامية. فقد ادعى الأمويون -بادئ الأمر- أنهم أحق الناس بالخلافة من حيث منزلة قائدهم معاوية بن أبي سفيان بوصفه كاتبًا من كتاب"الوحي"الأوائل من جهة، ومن حيث كونهم أبناء أعمام بني هاشم (آل البيت) من جهة أخرى. بيد أن معاوية عمد -بشكل مفاجئ- إلى تغيير نظام الحكم في البلاد الإسلامية بعد توليه السلطة في أعقاب مقتل الإمام علي. فقد ارتأى تعويض مبدأ الشورى في اختيار الخلفاء بمبدأ التوريث في انتقال الخلافة.. وقد أثارت هذه البادرة غضبًا شعبيًا هائلًا جعله -أي معاوية- يقدم جملة من التبريرات، أهمها: أن ما أقدم عليه يمثل السبيل الوحيد للاستقرار السياسي وحقن دماء المسلمين، وأن ذلك لا يتنافى مع روح القرآن والسنة النبوية. والواقع أن هذا الموقف الأموي يخفي جملة من المعطيات، مثل نزعتهم الأرستقراطية: حيث وجدوا أن نظام الشورى لا يخدم مصالحهم الفئوية، من حيث أنه لا يضمن بقاءهم في السلطة أمدًا غير محدد. ومثل صراعهم القديم مع بني هاشم (أبناء أعمامهم) ، حيث وجدوا في انتخاب الإمام علي بن أبي طالب خليفة على المسلمين انتصارًا لبني هاشم منافسيهم التقليديين.