فهرس الكتاب
ومما تجدر ملاحظته أن مشكلة القضاء والقدر قد تلازمت -في العصر الأموي- مع قضية مرتكب الكبيرة التي عادت لتتخذ -منذ ذلك العصر- طابعًا أشد وقعًا على المجتمع الإسلامي في مسيرته التاريخية اللاحقة. ذلك أن الأرستقراطية العربية المهيمنة -في العهد الأموي- لم تقتصر على استخدام منطق الجبر لتبرير مصالحها الفئوية، بل تجاوزته إلى تبني المبدأ (الأرجائي) القائل بفصل الإيمان عن العمل. وهو المبدأ الذي يجوز فيه للمسلم أن يرتكب ما شاء من الرذائل دون أن يكون كافرًا ما رقًا عن الدين ما لم يظهر الكفر أو الشرك. أو بعبارة أخرى: يقضي هذا المبدأ بأن عمل المسلم مهما ساء لا يقتضي تكفير صاحبه ما دام هذا الأخير يظهر الإيمان بالله والرسالات السماوية. وفي هذا الموقف مخالفة صريحة لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ناهيك أن معظم الآيات -في القرآن- التي تتحدث عن الإيمان لا ترد دون أن تقرنه بالعمل الصالح:"الذين آمنوا وعملوا الصالحات..". بيد أن الأرستقراطية -المذكورة- التي ارتمت تدريجيًا في أحضان الترف والملذات -المحرمة إسلاميًا- وجدت نفسها مضطرة إلى تبرير ذلك تبريرًا دينيًا (مسكنًا) للرأي العام الإسلامي (13) . لذلك تبنت مبدأ التفريق بين الإيمان والعمل سبيلًا يتقي فيه اللصوص أو الزناة أو الظلمة أو غيرهم من مرتكبي الكبائر تهمة التكفير والمروق من الدين. ومن هنا وقع التركيز على آيات الترغيب دون آيات الترهيب في القرآن. أو بعبارة (كلامية) : وقع التركيز على"الوعد"في القرآن دون"الوعيد". قال الإمام زيد بن علي -معلقًا على ذلك-"هذا الأمر أطمع الفساق في عفو الله". وكرد فعل إزاء هذا (التسامح) نحو مرتكبي الكبائر اتخذ المعارضون للسلطة الأموية (من خوارج وشيعة) مواقف أشد صرامة. وخاصة الخوارج (الأزارقة) الذين عمدوا إلى تكفير كل مرتكبي الكبائر بغض النظر عن درجاتها) (14) ، وإلى إباحة دمائهم مع التأكيد على خلودهم في النار.