فهرس الكتاب
والجدير بالملاحظة أن سائر القضايا الكلامية أخذت -بعد قيام الدولة الأموية- تبتعد تدريجيًا عن أطرها السياسية- العقائدية لتتحول إلى قضايا نظرية اختلفت حولها المواقف الفكرية على امتداد الساحة الإسلامية في العصر الوسيط. وذلك لأسباب تتعلق بتطور بنية المجتمع العربي- الإسلامي. حين شهدت الحركة التجارية نشاطًا متناميًا بتنامي الإنتاج البضائعي المقترن باتساع الرقعة الجغرافية للبلاد الإسلامية (بسبب الفتوحات الكبرى) . وحين استندت التجارة إلى روافد زراعية وصناعية (حرفية) هامة. وحين وسع تقسيم العمل من نطاق الطبقة المثقفة التي هي أكثر الفئات الاجتماعية قابلية لممارسة التفكير النظري المجرد. ولقد تمركزت أغلبية المثقفين الإسلاميين في المساجد و"مجالس العلماء"، وتفرغوا -جزئيًا أو كليًا- لممارسة الشؤون الفقهية والكلامية والعلمية، مستفيدين من مراكزهم (المرموقة) نسبيًا. حيث توفر لديهم (الفراغ) الكافي لممارسة التفكير النظري. بيد أن تقسيم العمل يبدو قليل الأهمية إذا ما عزلناه عن واقع الازدهار الفكري الذي تلازم -آنذاك- مع الازدهار التجاري. حيث أن ازدهار الحركة الفكرية -في عصر من العصور- لابد من أن يقترن بازدهار الحركة التجارية. وهذا بالنظر إلى الحيوية الفكرية التي تقتضيها طبيعة الممارسات التجارية وإلى اللامركزية الاقتصادية التي يقتضيها التعامل التجاري بين فئات كثيرة ومختلفة من البشر.. مما يسمح بقيام ضروب مختلفة من التلاقح الثقافي بين هذه الفئات. لذلك يمكن القول أن التلاقح الحضاري الذي تم بين العرب وغيرهم من الأمم -في العصر الوسيط- لم يكن فقط بسبب الفتوحات الإسلامية، بل كان أيضًا من إحدى نتائج نشاطهم التجاري. فكانوا -بذلك- أكثر استفادة من التراث العالمي من أي وقت مضى. ففي هذا السياق التاريخي ازدهر علم الكلام و (توغل) في التجريد.