فهرس الكتاب
وكان مذهب الاعتزال -الذي نشأ في القرن الثاني للهجرة- أشد المدارس الكلامية (تنظيرًا) لمقولاته الفكرية. وذلك لسببين رئيسيين: أولهما نشأة المعتزلة (الأوائل) في بيئة اجتماعية تميزت -اقتصاديًا وفكريًا- بالحيوية والنشاط (النسبي) . ألا وهي مدينة البصرة التي تعتبر أحد محاور الاحتكاك الحضاري في العالم الإسلامي في العصر الوسيط. ويتمثل ثانيهما في انشقاق المعتزلة عن مذهب أهل السنة (16) . وهو المذهب الذي ذكرنا أنه آثر -في أول أمره- الحياد السلبي إزاء"الفتنة الكبرى"، والذي استقل بعد ذلك عن المنازعات السياسية التي دارت بين الأمويين وخصومهم (الشيعة والخوارج) وانطوى عن دراسة القضايا الإسلامية التي لا تكاد تمس الحياة السياسية مسًا مباشرًا. مثل قضايا العبادات والمعاملات (التي هي موضوع الفقه الإسلامي) وقضايا الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من الأصول القرآنية، ومثل القضايا المتعلقة بتحقيق مصادر الأحاديث النبوية وتصنيفها ... ونظرًا إلى هذا (الانطواء) السياسي كان أئمة أهل السنّة أكثر تفرغًا لدراسة قضاياهم المذكورة من الشيعة أو الخوارج مثلًا. هذا بالإضافة إلى وضعهم الاجتماعي الذي وفّرته لهم التشكيلة الاجتماعية (الجديدة آنذاك) . مما جعل مثقفي أهل السنّة أكثر استعدادًا للتنظير والابتعاد (النسبي) عن واقعهم السياسي (المشحون) . وبتضافر هذين العاملين مع عوامل أخرى، كان المعتزلة يمثلون الجناح الأكثر عقلانية من بقية الأجنحة السنيّة. وكانوا بالتالي الاتجاه الأكثر كفاية للدفاع عن العقيدة الإسلامية إزاء مناوئيها الذين ارتكز بعضهم على جملة من أطروحات الفكر اليوناني.
علم الكلام والدفاع عن الدين: