فهرس الكتاب
لقد اقترن بلوغ علم الكلام مستوى معينًا من العقلانية والتجريد في أوائل القرن الثاني ببروز مزيد من الحركات المناوئة للعقيدة القرآنية على الساحة الإسلامية. ذلك أن الواقع الذي ساعد على الرقي في سلّم التجريد هو ذاته الواقع الذي أفرز مزيدًا من التيارات ذوات النزعات الفكرية المختلفة والمناوئة -عن عمد أو عن غير عمد- للعقيدة الإسلامية. أو بعبارة أدق: إن الحركية الفكرية التي شهدها المجتمع الإسلامي في تلك الفترة والتلاقح الثقافي الذي تولد عن انتشار الفتوحات الإسلامية وعن ازدهار المبادلات التجارية، هذه الحركية وهذا التلاقح جعلا -هذا المجتمع- أكثر استيعابًا لجملة من الأفكار والقيم الأجنبية التي جاءت تلبي طائفة من حاجياته التاريخية (17) . وفي هذه (الجدلية) رفع علم الكلام أسلحته الفكرية مدافعًا عن الدين الإسلامي. وهنا لابد من الانتباه إلى أن مختلف الفرق الكلامية لم تتصدّ للدفاع عن عقيدة القرآن (التي هي القاسم المشترك بينهما) بنفس الدرجة من الكفاية والالتزام. وهذا بالنظر إلى الظروف الخاصة التي عاشتها كل فرقة من هذه الفرق. ولقد أشرت منذ حين إلى أن المعتزلة كانوا أكثر الفرق الكلامية استعدادًا للدفاع عن الدين.. ناهيك أنهم أول من تصدى -عقليًا- للتيار المانوي (الثنوي) . هذا فضلًا عن مجادلاتهم للمشبهة والغنوسيين وللقائلين بنظرية"الفيض"الأفلوطينية... ويبدو من مجمل الأطروحات التي وضعها المعتزلة -دفاعًا عن الدين- أن واقع التحدي بالنسبة للفكر الإسلامي -في تلك الفترة- يتمركز في مدى عقلانية هذا الفكر ومدى مسايرته للمطامح الإنسانية المتغيرة.. مما يعكس الطابع العقلاني الذي أخذ يطبع الواقع الثقافي في تلك المرحلة من تاريخنا. ولقد عمد المعتزلة إلى (عقلنة) الدين الإسلامي بصورة أثارت حفيظة الجناح المحافظ من أهل السنّة.